لم يكن غريباً على الشارع اللبناني انتاج شعارات سياسية ومطلبية واقتصادية، يطلقها في تظاهرته اليومية لمواجهة السلطة والطبقة الحاكمة، حيث بات واضحاً أهمية الشعارات التي تطلق في الحراك ملبية مطالب الشارع المتظاهر والمنتفض.
وكانت وجوه الصبايا والشباب والاطفال البارزة في الحراك والتي ادهشت العالم، أدت إلى أن يطلق الاعلام العالمي عليها ثورة النساء الجميلات. وباتت الصور تنتشر على المواقع الالكترونية وعلى المحرك الآلي "غوغل"، فالوجوه كانت تزين الاعلام بل أُضيفت اليها الشعارات والصور والهتافات التي تم استخدامها في التظاهر على مدى فترة التظاهر وبكل ساحاتها، حيث باتت الشعارات مرتبطة بعضها ببعض وكأنها شعارات مركزية تطلق من حناجر الثوار، وترتفع الصور واللافتات في عموم الساحات الثائرة، وكأنها تربط نفسها من خلال توحيد الهتافات والشعارات التي رفعت بوجه السلطة الفاسدة.
إذا حاولنا الوقوف أمام تعريف الشعار فهو عبارة عن صورة أو رسمة بصرية إيضاحية، وهو الوجه المحدد الذي يتمّ من خلاله التعرف على شخصٍ ما أو مؤسسة أو شركة أو منتج محدّد، أو حتّى دولة، ويتكون الشعار من رمزٍ أو اسم، أو حروفٍ مختصرة، أو رسم تعبيري، ومن الممكن أن يجمع بين شكلين كالجمع بين الحروف والرموز، وقد يكون للشعار لون واحد، أو أكثر من لون، أو باللون الأبيض والأسود. فالشعار هو تعبير عن وجهة نظر خاصة، من قبل المشاركين، المطلوب منها تحقيق أهدافها.
لذلك كانت ولا تزال الشعارات اللبنانية عند اطلاقها تحمل نوعاً خاصاً من النكتة والفكاهة في اعلان المطالب الشعبية، من خلال رسائل ترسل للمتلقي وتحمل مضموناً واضحاً يعبر عن الحالة التي يعترض عليها المعترضون، في بلد باتت فيه الصرخة والشعار السلاح الوحيد بوجه السلطة الحاكمة في محاربة فسادها الفاقع، حيث أدهشت صرخات المتظاهرين الجميع وأربكت القوى السياسية وفرضت على المراقبين المحليين والخارجيين، التعاطف مع مضمون الرسائل المعلنة في الحراك اللبناني المميز وسط 12 حراكاً عالمياً في كل الكرة الارضية. ولذلك يمكن التمييز في طبيعة استخدام الشعارات وما هو الهدف الرئيسي من الشعار الذي يميز التنظيم للمرسل الذي يطلق الشعار، لذا من الضروري أن يكون الشعار مميزاً وفريداً أي لا يتشابه مع غيره من الشعارات.
والشعار يمثل الفكرة الأساسية لمالكه بشكل جيد، بحيث يلعب دوراً رئيسياً في اختيار نوع ومواصفات وألوان الشعار، ويمثلها بالشكل المطلوب.
ولا بد من التوقف أمام البساطة في كتابة الشعارات من أجل فهمها بسرعة وبساطة، فمن غير الضروري المبالغة في إدخال الألوان والعناصر والرموز، حتى لا يصبح الشعار معقداً وصعب الفهم، كما أنّ التعقيد في تشكيل الشعار يشتت ذهن الجمهور عن الفكرة الأساسية له، كما أنّ البساطة ترتسم وتعلق بالذهن البشري أكثر بكثير من التعقيد. يحافظ الشعار الاحترافي على وضوحه ومميزاته وخصائصه عند تكبيره أو تصغيره، حتّى لو طبع باللونين الأبيض والأسود، حيث أنّ الشعار يستخدم ايضاً بشكلٍ رسمي في المراسلات بين المرسل والمتلقي في كل الدول.
الشعارات تعتبر من أهم أدوات الهوية البصرية بل وأبرزها، لأنها تعتمد على الإيجاز الشكلي للمطالب من خلال عناوين مهمة مختصرة تظهرها شعارات المتظاهرين في ساحات الاعتصام والتظاهر. والشعارات تشكل الوجه الجميل لكل حركات الاعتصام والاحتجاج المطلبي السلمي، حيث يردد المتظاهرون دائماً شعارات سلمية لاعنفية وترسل التحيات لقوى الامن والجيش والمؤسسات الامنية التي تحاول بدورها الحفاظ على الامن والمتظاهرين.
ووفقاً لذلك فإننا نرى الشعارات اللبنانية التي تميزت بالثورية والمطلبية الواضحة، التي كانت تواجه السلطة الحاكمة بعيداً من الاستفزاز والشخصنة وضبط الهتافات والشعارات منذ اليوم الثالث للحراك، والتي كانت تبتعد عن شعارات تقتل الحراك، لا بل ذهبت أكثر لأن تكون الشعارات واضحة هادفة توافق كل الذين خرجوا للوقوف بوجه الجوع والفساد وتخريب البلد وسرقته وليس ضد اشخاص أو أحزاب وكيانات.
فالكلّ اجمع على شعارات محلية كانت تردد على ألسنة جميع الثوار: الله محيي الجيش، سلمية، الشعب يريد حقوقه، وكذلك نحن الشعب الخط الاحمر يسقط حكم الازعر، انا بقوم عن الكرسي وانتم لم تقوموا بعد، طلعت ريحتكم... فكلّها كانت شعارات توحيدية مخيفة للسلطة الحاكمة، كما شعار "كلن يعني كلن" وهذا الشعار كان من اخطر الشعارات الذي حمل في طياته رسالتين، الرسالة الاولى موجهة لرجال السلطة والذين مارسوا السلطة طوال 30 عاماً، بغض النظر عن طبيعة ومستوى فسادهم لان الشارع يسقط ويطالب والقضاء من يحاكم. أما الرسالة الثانية فهي تعني بأن الجميع نزلوا على الارض رافضين أحزابهم وقوى الامر الواقع في مناطقهم وعدم الدفاع عن زعمائهم المتقوقعين في المذهبية والطائفية، والتي بدورها أوصلتهم الى الفقر والهاوية.
بالإضافة الى العديد من الشعارات المختلفة والكثيرة على مستوى المجموعات والمسيرات والتظاهرات المحلية والاجنبية، التي يتم استخدامها وتحويلها بحسب الشارع اللبناني حيث يتمّ استخدام شعار من بلد الى بلد ومن مرحلة زمنية الى المرحلة الحالية، فإن ثورة الاتصالات وتطور وسائل الإعلام الجديد دعمت أواصر التواصل بين الداخل والخارج بشكل كبير حتى أصبحت أشبه بالجسور التي تعبر عليها شعارات ومطالب الناس اينما كانوا وفي أي زمان وجدوا فيه، وهذا يدل على ثقافة الناس ومدى قدرتهم على استخدام المخزون الثقافي في الحالات الاعتراضية التي يطلقها المرسل في رسالته من اجل ايصالها للمتلقي.
* كاتب وباحث لبناني