عيسى مخلوف

الموناليزا جارية في بلاط جيف كونز

4 دقائق للقراءة

السجال الذي أطلقته منحوتة "باقة من أزهار الخزامى" للفنان الأميركي العالمي جيف كونز والتي نصبتها بلديّة باريس في حديقة متحف "القصر الصغير" لتواكب افتتاح "المعرض الدولي للفنّ المعاصر"، هذا العام، أثارت ولا تزال عاصفة من ردود الفعل، كما طرحت السؤال مجدّداً حول مسارات الفنّ المعاصر.

المنحوتة البالغ وزنها 60 طنّاً، وعلوّها أكثر من عشرة أمتار، وتكلفتها ملايين الدولارات، وهي من البرونز والفولاذ والألومنيوم، وتمثّل يداً مرفوعة تحمل باقة من الأزهار الملوّنة، هي هدية من الفنان إلى أهل باريس، وقد فكّر في إنجازها، كما يقول، غداة الاعتداءات الإرهابية في العام 2015. المنحوتة، بالنسبة إلى كونز، تنطوي على إشارة إلى تمثال الحرية الذي أهدته فرنسا إلى الولايات المتحدة الأميركية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر رمزاً للصداقة بين البلدين. لكن نسبة كبيرة من المثقفين والكتّاب والفنانين الفرنسيين عبّروا عن رفضهم لهذه "الهديّة الملغومة" واعتبروها مسيئة للفنّ ولسمعة عاصمتهم. ولقد وقّع قرابة الثلاثين منهم على بيان بعنوان "لا لهدية جيف كونز" رافضين "انتهازية هذا الفنان" واستعماله الفنّ لغايات تجاريّة فحسب. أمّا المنحوتة فلم تسلم من اعتداء يذكّر بما تعرّضت له منحوتة الفنان الأميركي الآخر بول ماكارثي التي نُصبت في ساحة "الفاندوم" حيث توجد محلاّت المجوهرات الفخمة، وكانت تحمل عنوان "شجرة"، لكنها في الواقع تمثّل تَحميلة ضخمة وتوحي بلعبة جنسية "سكس تُوي"، وهي من البلاستيك الأخضر المنفوخ. في إحدى ليالي شهر أكتوبر من العام 2014، جاء مجهولون خلسةً و"نفَّسوها".

ليست المرّة الأولى التي يبرز فيها اسم كونز كأحد أكثر الفنانين المعاصرين إثارة للجدل. هذا العام أيضاً، في شهر أيّار الماضي، بيعت منحوتته "الأرنب" بأكثر من تسعين مليون دولار، وهو ثمن قلّما حظي به فنان على قيد الحياة. خلال تقديم "الأرنب" في المزادات العلنية، رأى ألكسندر روتر، رئيس الفنّ المعاصر في دار مزادات الفنون "كريستيز" في نيويورك، أنّ أرنب كونز هو "القطعة الأهمّ في نتاج الفنّان". وذهب رئيس الفنّ المعاصر أبعد من ذلك حين قال: "بل إنها المنحوتة الأعظم في النصف الثاني من القرن العشرين". قبل هذه المنحوتة، تعرّف العالم على منحوتة أخرى لكونز عنوانها "الكلب البالون"، وهو كلب منفوخ ورديّ اللون، بلغت قيمته 60 مليون دولار، وعُرض في صالات قصر فرساي وفي كبريات صالات العرض العالمية. كما فتح "مركز جورج بومبيدو الثقافي" أبوابه لكونز ليفاجأ لاحقاً بأنّ إحدى منحوتاته المعروضة منتحلة ومأخوذة بالكامل عن صورة فوتوغرافيّة للمصوّر الفرنسي جان فرنسوا بوريه، ممّا جعل محكمة باريس تصدر حكماً يدين الفنّان الأميركي ويطالبه بدفع غرامة ماليّة.

متحف "اللوفر" نفسه انحنى أمام رأس المال منذ سنتين وفتح صالة "الموناليزا" لإطلاق الدفعة الجديدة من حقائب "لوي فويتون" التي أنجزها كونز وزيّنها بلوحات بعض الفنّانين ومنهم ليوناردو دافنشي وفان غوغ.

جيف كونز، رجل الأعمال الكبير وأحد الفنّانين الأحياء الأغلى ثمناً في العالم، هو، إلى جانب مؤخّرة كيم كرداشيان، من رموز الرأسماليّة المتوحّشة التي تتحكَّم بكلّ شيء بما في ذلك الثقافة والفنون والآداب. وهذا ما مكَّنَه، بالتواطؤ مع تجّار الفنّ وبعض المتاحف العالميّة ومدرائها، والغاليريات وأصحابها، والمجلاّت الفنية ونقّادها والقيّمين عليها، من توظيف كلّ ما يمكن توظيفه، بما في ذلك أعمال الفنّانين الكبار، من أجل زيادة أرباحه وأرباح الشركات التي يتعاون معها. أحد المشاركين في حفل إطلاق حقائب اليد الجديدة في "اللوفر"، قال يومها: "يكفي أن تظهر مُمثّلة واحدة معروفة بالقرب من هذه البضاعة، حتى تتجاوز المبيعات الخمسين ألف حقيبة".الحقيبة أم لوحة دافنشي؟ التاجر أم الفنّان؟ تُرى مَن يُستعمَل من أجل مَن؟ لم تتحالف التجارة والفنّ كما يحدث اليوم في عصر التزوير المُعَولَم الذي يتحقّق فيه، أكثر من أيّ وقت مضى، تكريس البشاعة وانتصار الابتذال. لقد ازدهر سوق الفنّ المعاصر منذ منتصف التسعينات من القرن العشرين. ساهمت في نموّه دور المزادات العلنية والمعارض الدولية. والسوق الفنية لم تعد تنحصر في بعض المراكز الأوروبية والأميركية بل انتشرت في كلّ مكان، شرقاً وغرباً. صار الفنّ، في القسم الأكبر منه، خاضعاً لأحكام التعامل في الأسواق المالية، ولعملية العرض والطلب من جهة، والتخمين والمضاربة من جهة ثانية، وأصبح الحديث عن السوق الفنية، التي حققت ثروات هي الأعلى في تاريخها، أشبه بالحديث عن تجارة المجوهرات والعقارات والسيارات الفاخرة.