جوزيفين حبشي

لايك هالحكي

هيكالو... شكراً يحيى جابر وعفواً عباس جعفر

14 تشرين الأول 2022

02 : 01

كنت مدعوة الى افتتاح مسرحية الكاتب والمخرج المسرحي يحيى جابر الجديدة "هيكالو" على مسرح دوار الشمس. ورغم عشقي يحيى جابر ومسرحه وفكره وفلسفته الساخرة بعمق مضحك -مبكٍ، تردّدت في تلبية الدعوة.

تردّدت، رغم أن يحيى جابر لا أحد يجاريه بالقدرة على الإحساس بنبض الشارع والتقاط عادات وتقاليد مناطق لبنان (من شرقه الى غربه ومن جنوبه الى شماله وجبله وبقاعه)، وطوائف لبنان (من شيعته لسنّته وموارنته وأرثوذكسه وكاثوليكه ودروزه وأقلياته وأكثرياته)، وعلى تحويل "الكليشيات" التي نردّدها كلنا "ابتكاراً" مضحكاً مبكياً.





تردّدت أنا المعجبة حتى النخاع الشوكي بمسرحيات "بيروت طريق الجديدة" و"شو ها" و"مجدرة حمرا" و"اسمي جوليا" و"تعارفوا"، لأنني خفت ألا تعجبني مسرحية "هيكالو". ليس قلة ثقة بقدرات يحيى جابر في الكتابة والإخراج، بل للشكّ بقدرته على إدارة ممثل مثل عباس جعفر، الشاب الظريف بلهجته البعلبكية، حتى البارحة مساءً. نعم لديّ الجرأة أن أعترف بأنني لم أكن مبهورة بعباس جعفر ولا أعتبره "ممثلاً"، بل مجرّد ظاهرة خفيفة بكل ما للكلمة من معانٍ، حتى (وأكرر) حضرت المسرحية.

ما شهدته من إبداع يحيى لم يفاجئني، فمميّزات مسرحه أصبحت "تحصيلاً حاصلاً". ما فاجأني ويدفعني اليوم للاعتذار، هو عمله الجبّار في تحويل عباس ممثلاً حقيقياً، مركّزاً (على مدى ستة أشهر من التمارين) على كافة أدواته الجسدية والنفسية لاستخراج المعدن النفيس منها، خصوصاً بعدما "تعمّد" بشغف أستاذه وخبرته ونضجه وانصهاره بخشبة مسرح لا أحد يعشقها قدره.

شهدنا جميعنا ولادة عباس جعفر جديد، عميق، مؤثر. البارحة تحوّل ذلك الشاب النحيل البنية، عملاقاً سيحسب له ألف حساب من بعد "هيكالو" التي فصّلها يحيى على "قياسات" مجموعة من شخصيات بعلبك - الهرمل، تقمّصها كلّها عباس على مسرح دوار الشمس الذي تحوّل بدوره الى حيّ الشراونة في بعلبك.






عباس كان هناك كلّ موروثات بيئته وتاريخها وعاداتها وتقاليدها وكليشياتها التي ربطها يحيى جابر بحبكة ونص، أسالا دموعنا ضحكاً ووجعاً وجرأة. أثناء حضوري المسرحية كنت أنا ابنة دير الأحمر وسيدة بشوات وبعلبك الهرمل والسهل والتراب وجارة آل جعفر وزعيتر، رأيت نفسي في خصوصية تلك المنطقة بكل ما فيها من جمال وقبح، صواب وخطأ، ايجابي وسلبي، أبيض وأسود، ايمان وطيبة وقسوة وشجاعة وبساطة وعفوية وحرمان وقهر وكرامة. رأيت نفسي في العشائر والعادات والتقاليد والأخذ بالثأر (الذي أرفضه بشدة) والعفو عند المقدرة، كما يقول الامام علي على لسان الشيخ نوفل (إحدى أطرف شخصيات المسرحية الى جانب عجاج (والد عباس) وأمه وعمته جانيت وابن عمه صبحي وزوجته ايمان ورشيد زعيتر وحتى "الاستيز" أطلّ البارحة).

رأيت نفسي في كل ما تقدّم، و"شفت حالي" بيحيى جابر، ابن الجنوب، ذلك العبقري وعالم المجتمع اللبناني بأدقّ تفاصيل بيئاته المختلفة، وصفّقت طويلاً لعشيرة كاملة من الممثلين المبدعين اسمهم... عباس جعفر.


3