زاكاري كيك

الولايات المتحدة لن تتخلّى عن كوريا الجنوبية

20 تشرين الأول 2022

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

كيم جونغ أون خلال تدريبات عسكرية | تشرين الأول، ٢٠٢٢

كأن العالم لم يكن فوضوياً بما يكفي كي يعود زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، إلى ألاعيبه المعتادة ويطلق سيلاً من الاختبارات الصاروخية الجديدة، فيفتعل بذلك ردوداً متنوعة من الولايات المتحدة، وكوريا الجنوبية، واليابان. إلى جانب هذه الأحداث المألوفة، أطلقت كوريا الشمالية أيضاً قاذفات قنابل وطائرات مقاتلة نحو المجال الجوي الكوري الجنوبي، ما أجبر سيول على تهيئة طائراتها الخاصة.



كان التقدم النووي الذي تحرزه كوريا الشمالية قد اختفى من عناوين الأخبار العالمية، لكنه أعاد رسم الظروف الأمنية الإقليمية ضمناً منذ أيام التهديدات المتبادلة في العام 2017. إنعكس هذا الوضع على فكرة أن تكتسب كوريا الجنوبية أسلحة نووية خاصة بها. لطالما دعم الرأي العام الكوري الجنوبي هذا التوجه، ويكشف أحدث الاستطلاعات أن 71% من سكان البلد يدعمون بناء هذا النوع من القدرات النووية.

لكن ترتكز جميع الحجج الداعمة لهذه الخطوة على أمثلة تاريخية عن الردع النووي في مكان وزمان مختلفَين، وهي تعكس مفهوماً شائباً عن الديناميات الأمنية في أوروبا خلال الحرب الباردة. يثبت أي تحليل عميق لهذا السياق أن كوريا الجنوبية لا تحتاج إلى ترسانتها الخاصة، حتى أن اقتناء أسلحة مماثلة قد يسيء إلى المصالح الأميركية على المدى القصير والطويل.

يظن مؤيدو تسلّح كوريا الجنوبية نووياً أن التحديات الأمنية التي يواجهها البلد تشبه تلك التي تعامل معها حلفاء واشنطن في أوروبا خلال الحرب الباردة. عندما اكتسب الاتحاد السوفياتي صواريخ نووية طويلة المدى، شكك القادة الأوروبيون باستعداد الأميركيين للدفاع عنهم.

لكن تنتشر اليوم مخاوف مختلفة في شبه الجزيرة الكورية مقارنةً بالماضي. تتفوّق الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية تقليدياً على الجيش الكوري الشمالي. تنفق سيول على جيشها حوالى عشرة أضعاف ما تنفقه بيونغ يانغ، وتبدو الفجوة بين البلدين أكبر بعد على المستوى التكنولوجي. وعلى عكس أوروبا في حقبة الحرب الباردة، تستطيع القوات الأميركية والكورية الجنوبية أن تصدّ أي غزو تقليدي.

لهذا السبب، ترتكز المسائل المرتبطة بالمصداقية الأميركية في شبه الجزيرة الكورية على شرطَين. أولاً، إذا أقدمت كوريا الشمالية على غزو جارتها فعلاً، هل ستطلق الولايات المتحدة دفاعاً تقليدياً لدعم كوريا الجنوبية، مع أنها تعلم أن كيم قد يلجأ إلى الأسلحة النووية لإبطاء هزيمته في ساحة المعركة؟ ثانياً، هل ستبدي الولايات المتحدة استعدادها لاستخدام الأسلحة النووية رداً على الاعتداءات النووية التي تطلقها كوريا الشمالية ضد جارتها الجنوبية؟

لم يشكك القادة الأوروبيون بأيّ من هذه النقاط خلال الحرب الباردة، ويُفترض ألا يفعل قادة كوريا الجنوبية اليوم. بفضل قيادة الناتو الموحّدة وانتشار ملايين القوات الأميركية على خطوط المواجهة، كان المسؤولون الأوروبيون يعلمون أن الولايات المتحدة ستحارب أي قوة سوفياتية معتدية عبر استخدام قدراتها التقليدية. ينطبق الوضع نفسه على كوريا اليوم، نظراً إلى القيادة الموحّدة والانتشار العسكري الأميركي الواسع هناك.

يشعر الكثيرون بالقلق من احتمال أن تنسحب الولايات المتحدة من شبه الجزيرة الكورية إذا أصبح دونالد ترامب رئيس البلد مجدداً، أو إذا وصل شخص بالعقلية نفسها إلى سدة الرئاسة. إنه موقف مبرر، لكنه يتجاهل الدعم شبه التام من الحزبَين الجمهوري والديمقراطي للحفاظ على وجود عسكري أميركي في كوريا الجنوبية. في عهد ترامب، أبدى أعضاء الكونغرس الجمهوريون استعدادهم الدائم للتصدي له في هذه المسألة.

عملياً، أضاف الكونغرس بنداً إلى التشريع المرتبط بسياسته الدفاعية السنوية لمنع الرئيس من الانسحاب من كوريا الجنوبية. ثمة إجماع قوي بين الحزبَين الجمهوري والديمقراطي إذاً على إعطاء الأولوية لمنطقة المحيطَين الهندي والهادئ، ما يعني الحفاظ على وجود عسكري أميركي واسع في شبه الجزيرة الكورية مستقبلاً.

كذلك، كان القادة الأوروبيون يظنون في الماضي أن الولايات المتحدة ستستخدم الأسلحة النووية إذا أطلق الاتحاد السوفياتي اعتداءات نووية ضد أوروبا الغربية. وفق مذكرة عن زيارة الرئيس الأميركي جون كينيدي إلى باريس في العام 1961، قال نظيره الفرنسي شارل ديغول شخصياً إنه «مقتنع بالكامل بأن الولايات المتحدة ستردّ، إذا شنّ السوفيات حرباً ذرية». يجب أن يقتنع قادة كوريا الجنوبية بالأمر نفسه اليوم. إذا استعملت كوريا الشمالية الأسلحة النووية ضد بلدهم، سيصبح الجنود الأميركيون المنتشرون في شبه الجزيرة والأميركيون المقيمون هناك في مرمى النيران.

من المعروف أن الولايات المتحدة لا تمارس ضبط النفس حين يتعرّض جنودها أو مواطنوها للاعتداء. ستصبح مآسي «بيرل هاربر» واعتداءات 11 أيلول، حيث قُتِل آلاف الأميركيين، باهتة عددياً، مقارنةً بما سيحصل إذا استعمل كيم الأسلحة النووية في كوريا الجنوبية، حيث سيُقتَل عشرات آلاف الجنود والمدنيين الأميركيين بشكلٍ شبه مؤكد.

سيتعرّض أي رئيس أميركي في هذه الحالة للمستوى نفسه من الضغوط التي واجهها فرانكلين روزفلت وجورج بوش الإبن على الأقل في السياق التاريخي الذي تعامل معه كلٌّ منهما. باختصار، لن يسمح القادة السياسيون الأميركيون لكيم أو نظامه بالصمود إذا استُعمِلت أي أسلحة نووية ضد كوريا الجنوبية.

يبقى التحكم بالردع المتوسّع مسألة متقلبة وغير مؤكدة في جميع الظروف. لتحقيق الهدف المنشود، يجب أن توضح الولايات المتحدة التزاماتها أمام الكوريتَين طوال الوقت، كما فعلت مع حلف الناتو والاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة. مقارنةً بردع هجوم تقليدي ضد ألمانيا الغربية عبر استعمال أسلحة نووية في الحرب الباردة، أصبح ردع هجوم نووي من كوريا الشمالية اليوم أكثر سهولة بكثير. يُفترض أن يشعر المخططون الدفاعيون في كوريا الجنوبية بدرجة من الطمأنينة في هذا المجال، تزامناً مع زيادة اهتمام الولايات المتحدة بأمن بلدهم.

تكشف تجربة أوروبا في الحرب الباردة أن كوريا الجنوبية يُفترض أن تثق بالضمانات الأمنية الأميركية، وهي تثبت المخاطر التي يطرحها البرنامج النووي الكوري الجنوبي على الولايات المتحدة. عندما أصبحت بريطانيا وفرنسا مسلّحتَين نووياً، عمد البلدان إلى تقليص قواتهما التقليدية، وقد ربطت لندن وباريس هذا القرار صراحةً بامتلاك الأسلحة النووية.

بعدما ضمنت القوى النووية دفاعاتها، أراد القادة البريطانيون والفرنسيون أن يخفّضوا الإنفاق على الأسلحة. استاءت واشنطن من التخفيضات العسكرية البريطانية والفرنسية لأنها أجبرت الولايات المتحدة على تحمّل المزيد من الأعباء الدفاعية. لم يتغير الكثير منذ ذلك الحين، إذ تحتاج الولايات المتحدة اليوم إلى حلفائها في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ لتدعيم قواتها التقليدية بدل السماح بإضعافها لاكتساب ترسانات استراتيجية بلا قيمة.

يتعلق احتمال أكثر خطورة بأن تأمر كوريا الجنوبية المسلّحة نووياً القوات الأميركية بالانسحاب من أراضيها. حين حصلت فرنسا على نظام ردع نووي فاعل، سحب ديغول باريس من قيادة الناتو الموحّدة وأخرج الجنود الأميركيين وقوات الناتو من الأراضي الفرنسية. ربط ديغول قراره بامتلاك فرنسا قنبلة نووية، لكن كان هذا النهج يتعلق أيضاً بآرائه السابقة حول القومية الفرنسية، وأهمية التحالفات، والتدخّل الأميركي في الشؤون الأوروبية.

يحمل معسكر اليسار في كوريا الجنوبية آراءً مشابهة في عدد كبير من هذه المسائل. على المستوى الدولي، يُعرَف الليبراليون والتقدميون الكوريون الجنوبيون بآرائهم السلمية تجاه كوريا الشمالية. لكنهم أكثر تشدداً في مسألة الدفاع، وهم يؤيدون الاستقلالية الاستراتيجية التي ترتكز جزئياً على شكلٍ من القومية الكورية. إذا اكتسب البلد ترسانة نووية إذاً، قد تؤكد أي إدارة كورية يسارية على استقلاليتها الاستراتيجية عبر إخراج القوات الأميركية من البلد، كما فعلت فرنسا سابقاً.



الرئيسان الكوري الجنوبي والأميركي خلال مؤتمر في البيت الأبيض | ٢٠٢١



سيكون الانسحاب من كوريا الجنوبية ضربة كارثية للمكانة الأميركية العسكرية في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، وستعطي هذه الخطوة تأثيراً أكبر من قرار ديغول. سمحت طبيعة الناتو متعدد الأطراف لواشنطن بنقل قواتها إلى بلجيكا وألمانيا، لكن لن يكون هذا الخيار ممكناً في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ اليوم، نظراً إلى نظام التحالفات الأميركي المبني على مبدأ «النقل المحوري» في المنطقة. إذا طالبت سيول بانسحاب الولايات المتحدة إذاً، لن يسهل تغيير مواقع تلك القوات ونقلها إلى أماكن إقليمية أخرى.

رغم التهديدات النووية غير المسبوقة التي تطرحها كوريا الشمالية اليوم، يكشف أي تحليل عميق لتاريخ الحرب الباردة أن اقتناء كوريا الجنوبية لأسلحة نووية ليس شرطاً ضرورياً لردع كيم، إذ يستطيع التحالف القائم بين واشنطن وسيول، بدعمٍ من نظام الردع النووي الأميركي، أن يدافع عن كوريا الجنوبية.

فيما تُعمّق الولايات المتحدة التزاماتها في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، يُفترض أن يزيد اندفاعها للحفاظ على وجودها في كوريا الجنوبية. لكن رغم هذه التطمينات، يجب أن يأخذ التحالف بين البلدين الدروس التاريخية بالاعتبار. إذا اكتسبت سيول أسلحة نووية يوماً، من المستبعد أن تصبح كوريا الجنوبية أو الولايات المتحدة أكثر أماناً، حتى أن هذه الخطوة قد تُضعِف تحالفهما وتستنزف المكانة الأميركية العسكرية في المحيطَين الهندي والهادئ.