كريس ميلر

كيف خسرت منطقة "سيليكون فالي" تفوّقها في قطاع تصنيع الرقائق؟

22 تشرين الأول 2022

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

الرئيس الأمريكي جو بايدن متحدثاً من أمام منشأة تصنيع جديدة لشركة إنتل الأميركية في نيو ألباني | أوهايو، أيلول 2022

بفضل قانون الرقائق الإلكترونية والعلوم الصادر في آب 2022، تملك الحكومة الأميركية اليوم تمويلاً جديداً بقيمة 52 مليار دولار لمحاولة تنشيط قطاع أشباه الموصلات الأميركي. تمّ اختراع أشباه الموصلات في الولايات المتحدة أصلاً، ولا يزال تصميمها وتصنيعها يتطلبان برمجيات وأدوات أميركية، لكن يتم تصنيع معظم الرقائق اليوم في أماكن أخرى، لا سيما في شرق آسيا. وفي ظل احتدام المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، أصبح تحسين المكانة الأميركية في صناعة الرقائق من أولويات الأمن القومي. تزداد المخاطر المطروحة لأن المعالِجات الأكثر تطوراً لا يمكن تصنيعها إلا خارج الولايات المتحدة، وتحديداً في تايوان.



سيكون استرجاع الدور الأميركي في عمليات التصنيع مكلفاً. من المنتظر أن تتلقى أكبر ثلاث شركات لإنتاج رقائق المعالِجات (TSMC، Samsung، Intel) تمويلاً لبناء منشآت جديدة تُعنى بتصنيع أشباه الموصلات في الولايات المتحدة. لكن لن يكون تدفق الأموال كافياً لحل المشكلة الأساسية، بل تبرز الحاجة إلى تغيير ثقافي، في منطقة «سيليكون فالي» وواشنطن، لإعطاء الأولوية للتحديات التي تواجهها الشركات في قطاع التصنيع المتقدّم.

إبتعدت منطقة «سيليكون فالي» عن جذورها الراسخة في قطاع التصنيع، فركّزت على التطبيقات والإنترنت، بينما انشغل صانعو السياسة في واشنطن بشركات التكنولوجيا الكبرى التي تُركّز على النزعات الاستهلاكية بدل المعدات التي تتكل عليها جميع عمليات الحوسبة. وجدت شركة Intel من ينقذها في الماضي بفضل مديرها التنفيذي، أندرو غروف، الذي أدرك أن التكنولوجيا المتقدمة لا ترتكز على الابتكار وحده بل على التصنيع عالي الدقة أيضاً. لتحسين قطاع الرقائق الإلكترونية في الولايات المتحدة إذاً، يجب أن يبدأ صانعو السياسة في واشنطن بتعديل تعريف «التكنولوجيا» كي يشمل التصنيع المتقدّم.

ينجم التراجع الأميركي في إنتاج رقائق المعالِجات منذ فترة طويلة عن مجموعة معقـــدة من الأسبـاب. تتعدد العوامل التي زادت كلفة تصنيع الرقائق في الولايات المتحدة مقارنةً ببلدان أخرى. أصبحت التنظيمات البيئية التي تحكم المواد الكيماوية السامة المستعملة في تصنيع الرقائق أكثر صرامة في الولايات المتحدة، وتبقى كلفة اليد العاملة هناك أعلى من مناطق شرق آسيا.

في غضون ذلك، واجه قطاع تصنيع الرقائق حملة مكثفة من دمج الشركات. منذ بضعة عقود، كانت 24 شركة تستطيع تصنيع رقائق المعالِجات المتطورة، لكن تنتج ثلاث شركات اليوم المعالِجات الأكثر تقدّماً: TSMC في تايوان، و Samsung في كوريا الجنوبية، و Intel في الولايات المتحدة. تُبقِي كل شركة منها معظم عمليات الإنتاج في بلدها الأم. لهذا السبب، يتوقف جزء كبير من مصير القدرات الأميركية المحلية في مجال تصنيع الرقائق على مسار شركة واحدة: Intel.

بالنسبة إلى غروف، اللاجئ المولود في بودابست ورئيس الشركة لعقود عدة، كان التصنيع محور هوية Intel. بعد ترؤس الشركة في العام 1979، سحبها من حافة الإفلاس تزامناً مع احتدام المنافسة مع اليابان، ووصلت رقائق المعالِجات التي تُصنّعها Intel إلى أكثر من نصف الحواسيب التي يتم تصنيعها خلال عقد من الزمن. منذ ذلك الحين، حققت الشركة أرباحاً تفوق قيمتها 250 مليار دولار.

حين استلم غروف رئاسة الشركة، كان عملها الأساسي يقضي ببيع رقائق الذاكرة المستعملة عموماً في الحواسيب المركزية في الشركات. لكن اخترقت الشركات اليابانية هذا القطاع في منتصف السبعينات، وتعلّمت طريقة تصنيع الرقائق وأنتجتها بكلفة متدنية وبعيوب أقل من تلك الموجودة في الرقائق أميركية الصنع. أمام هذا الوضع، أدرك غروف أن شركته باتت مضطرة للتخلي عن تصنيع رقائق الذاكرة الاستهلاكية وإعادة التركيز على منتجات عالية القيمة مثل المعالِجات الدقيقة المتقدمة، كتلك التي تضعها شركة IBM في جهازها الجديد: «الحاسوب الشخصي».

إعتبر الكثيرون في Intel التخلي عن سوق رقائق الذاكرة هدفاً مستحيلاً، فهو مرادف لأن تتخلى شركة Ford عن تصنيع السيارات. لكن تحلّى غروف بالشجاعة اللازمة للتخلي عن هذا القطاع في نهاية المطاف، فقام بتسريح ربع الموظفين في الشركة وأغلق عدداً من المنشآت. وتزامناً مع إعادة الهيكلة هذه، تبنّى غروف استراتيجية ثانية، فحسّن نوعية التصنيع بطريقة جذرية. فصّل غروف فلسفته في كتاب حقق أعلى المبيعات، بعنوان Only the Paranoid Survive (وحده المرتاب يصمد)، فكتب ما يلي: «المخاوف من المنافسة، والإفلاس، وارتكاب الأخطاء، والخسارة، قد تصبح حوافز قوية». بعد يوم طويل من العمل، كان الخوف العامل الذي يدفع غروف إلى متابعة مراسلاته أو مكالماته الهاتفية مع مرؤوسيه، فقد كان يخشى أن يفوّت أي أخبار عن تأخير صدور المنتجات أو استياء العملاء.

في شركة Intel التي جدّدها غروف في أواخر الثمانينات وعلى مر التسعينات، كان دوام العمل يبدأ في الساعة الثامنة صباحاً. هكذا استُبدِلت ثقافة «سيليكون فالي» المتحررة بانضباط صارم. أطلق غروف سياسة جديدة اسمها «النسخ الدقيق»، كي تستعملها الشركة لتحديد أفضل عمليات التصنيع ثم تُعلّمها لمهندسيها كي يكرروها في جميع المنشآت. استاء الكثيرون حين أصبحوا مضطرين للتنفيذ بدل الابتكار. لكن عندما بدأ كل مصنع تابع للشركة يعمل بطريقة مختلفة عن مختبرات الأبحاث وأصبح أقرب إلى آلة دقيقة، ارتفع مستوى الإنتاجية وتراجعت التكاليف.

تفسّر مقاربة غروف الإدارية الصارمة جزءاً بسيطاً من حملة إنقاذ Intel خلال الثمانينات. لم تُحقق الشركة النجاح عبر تفعيل التصنيع فحسب، مع أنه عامل أساسي، بل إنها دمجت التصنيع الرائد أيضاً مع تصميم رقائق من الطراز الرفيع. كان هذا التداخل الوثيق بين التصنيع، والبرمجيات، وتصميم الأنظمة، كفيلاً بإبقاء Intel في طليعة مصنّعي معالِجات الحواسيب طوال ثلاثة عقود.

لكن بدأت الشركة تتعثر بعد تقاعد غروف في العام 2005. بما أن عملها الأساسي المرتبط بتصنيع رقائق للحواسيب الشخصية كان مربحاً جداً لفترة طويلة، بدأت ثقافة الانضباط تتلاشى، كما يقول موظفون سابقون في الشركة. أدى جني الأرباح طوال سنوات إلى إضعاف حس الارتياب الذي نشره غروف وكان قد تسلل إلى جميع أركان الشركة. لاحظ الموظفون القدامى أن صلاحيات المدراء التنفيذيين توسّعت، بينما خسر علماء الكيمياء والفيزياء نفوذهم في قسم التمويل. نتيجةً لذلك سجّلت الشركة، التي كانت أسطورة في عالم التكنولوجيا الأميركية، تراجعاً كبيراً طوال عقد كامل. بعد رحيل غروف، عجزت الشركة عن القيام بأي رهانات كبرى وجريئة ومحفوفة بالمخاطر. سرعان ما تفوّقت شركتا TSMC و Samsung عليها في مجال تصنيع الرقائق، بعدما كانت الأكثر تقدماً في العالم، إذ تستطيع الشركتان المنافستان الآن أن تنتجا الرقائق بدقة أعلى من Intel. أغفلت الشركة عن تحولات كبرى في هذا القطاع، ولم تتوقع ظهور الهواتف الذكية أو الذكاء الاصطناعي مسبقاً. يقول مدير مالي سابق في Intel: «كانت الشركة تملك ما يلزم من حيث التكنولوجيا والموارد البشرية، لكنها لم ترغب في استعمالها لتحقيق الأرباح بكل بساطة».

عبّر غروف عن قلقه من تآكل قدرات التصنيع المتقدمة في الولايات المتحدة بعد تقاعده، فقال في العام 2010 إن «التخلي عن تصنيع «السلع» اليوم قد يحبسنا خارج القطاع الناشئ غداً»، ثم حذر من تداعيات تركيز «سيليكون فالي» على البرمجيات على حساب المعدات.

اعتبر غروف قطاع البطاريات الكهربائية دراسة حالة مفيدة للتأكيد على احتمال تآكل قدرات الابتكار بعد خسارة قدرات التصنيع. قال غروف في العام 2010: «خسرت الولايات المتحدة ريادتها في مجال تصنيع البطاريات منذ 30 سنة، حين أوقفت إنتاج الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية». في تلك الفترة، افتقرت الشركات الأميركية إلى الابتكار لتصنيع البطاريات الخاصة بالحواسيب الشخصية. اليوم، أصبحت هذه الشركات متأخرة عن منافسيها، لا سيما كوريا الجنوبية والصين، في مجال إنتاج بطاريات السيارات الكهربائية. كان غروف قد توقّع ألا تتمكن هذه الشركات من مواكبة التقدّم الحاصل.

لكن تجاهل الجميع تحذيرات غروف حول أهمية التصنيع المتقدم في قطاع التكنولوجيا، فاعتبره معظم العاملين في «سيليكون فالي» مجرّد ممثّل لحقبة غابرة، على اعتبار أنه طوّر شركة Intel قبل ظهور الإنترنت. بعد فترة قصيرة أصبح فيسبوك، الذي تأسس في العام 2006، أعلى قيمة من Intel بأشواط، مع أنه لا يُصنّع شيئاً ويبيع منتجات محدودة إلى جانب الإعلانات. كانت Intel تستطيع أن تبرر موقفها على اعتبار أن بيانات الإنترنت تتم معالجتها على الرقائق التي تنتجها. لكن بقي إنتاج الرقائق أقل ربحاً من بيع الإعلانات على التطبيقات. مع مرور الوقت، خسرت الولايات المتحدة قدرتها على تصنيع أكثر الرقائق تقدّماً. لهذا السبب، لا يمكن تصنيع الرقائق الخاصة بالتطبيقات المعاصرة، بدءاً من الهواتف الذكية وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي في مراكز البيانات، إلا في الخارج.

بعد أزمة سلاسل الإمدادات واحتدام المنافسة مع الصين، بدأ القادة السياسيون ورجال الأعمال الأميركيون يدركون حقيقة المخاطر المطروحة. يثبت إقرار قانون الرقائق الإلكترونية والعلوم أن واشنطن باتت مستعدة، للمرة الأولى منذ عقود، لإنفاق مبالغ كبيرة من المال دعماً لتصنيع الرقائق. إنها خطوة أولى أساسية، لكن يجب أن يُحسّن القادة السياسيون أيضاً بيئة العمل في قطاع التصنيع. تُعتبر تراخيص البناء، والقوانين البيئية، والسياسات الضريبية، عوامل مؤثرة لضمان صمود منشآت التصنيع. لن يكون الابتكار وحده كافياً لإعادة إحياء القطاع في الولايات المتحدة، إلا إذا أصبح تصنيع الرقائق مُجدياً من الناحية الاقتصادية أيضاً.