لو اكتفى المتابع بأخبار بعض السياسيين اللبنانيين «المتحكمِين» بالوضع اللبناني، لوجدَ أن الغبار الكثيف، الذي لا يُخفي خلافاتهم، يعني الهدوء... الفظيع.
هدوء فعلاً. لا شيء يُقلقهم بعد ثلاث سنوات من التدهور المالي المريع الذي لم يشهده اي بلد في العالم.
لا يقلقهم منظر اللبنانيين، الذي يقفون مثل المتسولين أمام فروع مصارفهم المقفلة، فيما كان لهؤلاء أن يكونوا فيها، ليستفيدوا من ودائعهم فيها.
لا يقلقهم انتهاء عهد رئاسي، وفات بالتالي الموعد الدستوري لانتخاب رئيس جديد. وهذا ما يصح في عدم تشكيل حكومة جديدة منذ الربيع المنصرم...
لا شيء يدعوهم إلى القلق، إلى المتابعة، إلى تحمل مسؤولياتهم، بدليل انهم يُمضون أوقاتهم، واتصالاتهم، وتصريحاتهم، في سياسات... المناكفة، وعض الأصابع، في انتظار تراجع هذا الفريق أو ذاك خطوة ما عن خط العناد والنكد.
لا شيء يقلقهم في جوع اللبنانيين، وأمراضهم، ونفاد منسوب الأمل لدى المسنين والشباب في آن معاً. إذ إن ما يُحركهم، ويُحدد تنقلاتهم ومواقفهم، يتعين في «لعبة السلطة»، أي في حيازة الحصة والمكانة.
لا شيء يقلقهم، لأنهم يدركون (أكثر من المحللين والمتابعين أنفسهم) أن لهم «عمقاً شعبياً» لم يتأثر بكل مفاعيل الحراك المدني قبل ثلاث سنوات. كيف لا، وقد أتت نتائج الانتخابات الأخيرة (ايار- مايو المنصرم)، لتُظهر أن التكتلات السياسية (الطائفية) الكبرى بقيت على حالها مع بعض التآكل والتراجع الخفيفَين في بعضها.
هذا يعني أن ما يجري هو... الحرب ليس إلا. ويتمثل في كونهم يعلقون العمل بما هو دستور، وانتظام حياة برلمانية سليمة، وحسن عمل القضاء وغيرها من عمل المؤسسات.
وهذا يعني الحرب، الخفيفة أو المستورة، بأدوات السلاح والتعديل والحفاظ على الشكلية التمثيلية.
هي حرب لم تتوقف منذ العام 1973، مهما تعددت أسبابها، ومجرياتها، و»أبطالها»، وخلافاتها المعلنة. وفي الحرب، لا سلاح يعلو فوق سلاح المعركة، حتى لو كانت كلفة الحرب دامية، وباهظة... فلا ضير من حكمِ بلدٍ فقير ومُفقَر، جائع ومجوّع، مستباح في دستوره وقوانينه وأمنه وأمانه.
لهذا، كما في الحروب، لا يهم التحقق من «لحم المدافع»، من كلفة الدمار والانهيار، ما دام المطلوب الإمساك الأشد بالسلطة.
هكذا تلتقي الغلبة مع الفساد والاستباحة بكل ما يعني حقوقا في السياسة والدستور، وشراكة في العيش.
لكن ما غاب عن هذا المقال هو الحديث عن... فلسطين: ألا يشبه بعض ما يجري في سياسات اليوم، ما كانت تقوم به انقلابات عسكرية (منذ الخمسينات المنصرمة)، وهو رفعُ شعار تحرير فلسطين، للتحكم بالداخل؟ ألا يعني رفعُ شعار تحرير فلسطين (في هذه الأحوال) السعيَ الى استلام السلطة، والذي لا يعدو كونه حرباً اهلية، معلنة أو مستورة؟