شهيد نكد

عندما لا يكون الإحباط والخيبة خياراً

1 تشرين الثاني 2022

02 : 00

مهما اختلفت حولها الآراء وتناقضت، فإن «ثورة 17 تشرين» خلقت تياراً جديداً مستجداً في الحياة السياسية اللبنانية.

يحاول البعض عن سابق تصوّر وشماتة إشاعة خبر موت «17 تشرين» السريريّ، فيما يعلن البعض الآخر احباطه من عودتها وخيبته في ظل آمال وتوقّعات مرتفعة. فنوّاب «التكتل» فشلوا في طبع بصمتهم على الحياة السياسية، وفشلوا أيضاً في خلق صدمة ايجابية على المسرح السياسي.

أمام هذه الوقائع قد يبدو أن هذا هو الواقع، لكنها ليست الصورة الوحيدة. ما لا تتمّ الاضاءة عليه هو جرأة جمهور «17 تشرين» في انتقاد نوّاب «الثورة» بقساوة، فيما مناخات أحزاب لا تسمح عادة بالمعارضة والانتقاد.

الاحزاب اللبنانية هي احزاب الشخص الواحد: توتاليتارية لأنّ محازبيها يعيشون تحت رهبة زعيمهم، وفاشية لأنها دائماً ما تعتمد أسلوب «القضية» من أجل ابقاء هيمنتها وتشتيت المحازبين عن حياتهم اليومية وضروراتها وعن كراماتهم.

إنّ ممارسة الأحزاب للعمل السياسي في السنوات الثلاثين الماضية أجهضت مفهوم العمل السياسي الديمقراطي الصحيح. فأيّ حزب يتمتّع بديمقراطية داخلية؟

في تصريح له، يقول تيمور جنبلاط حرفياً: «إنها (السياسة) شركة عائلية (فاميلي بزنس)... ونحن دائماً نصارع لنبقى في السلطة». وما صرّح به، ينسحب على كلّ الاحزاب في لبنان؛ «كلن يعني كلن».

السؤال: كيف تصارع أحزاب لبنان وزعماؤها للبقاء في السلطة؟

محاولة الاجابة عن هذا السؤال تفتح باباً واسعاً للنقاش والتحليل، لا بل أفقاً جديداً نقارب من خلاله مشاكل البلد العضوية لا مشاكله الظاهرة فقط. السلطة التي نتحدث عنها هنا ليست بطبيعة الحال السلطة الشرعية التي تملكها الدولة على سكانها، والتي من خلالها تسنّ التشريعات وتطبّقها، وتسهر على المحافظة على المجتمع عبر رؤى تطويرية. السلطة التي يصارع الزعماء على البقاء فيها هي التسلّط على المجتمع، وبالتالي على الدولة. هذا التسلط لا يمكنه أن يعيش مع سلطة الدولة. على العكس هو يزدهر عبر تفريغ الدولة من مضامينها واستغلالها لصالحه.

وفي هذا السياق يستمر صراع الزعامات اللبنانية للبقاء في السلطة على مستويين:

الاوّل داخلي: عبر إرساء نظام زبائني موازٍ لنظام الدولة، قائم على مجموعة تفاهمات ضمنية بين اركانه وبين افراد المجتمع. هذا النظام غير الرسمي تمكّن عبر الوقت من الهيمنة على الدولة، اذ أصبح التعامل معها على انها امتداد طبيعي له. حوّلت الزبائنية - الانتماء من انتماء مجتمعي وطني صاحب مسار ومصير، الى انتماء زعاماتي اوّلاً فحزبي وطائفي ومذهبي صاحب مصالح فردية. ومن أجل الاطباق على الدولة حوّلت الزبائنية الفساد من شخصي الى فساد مؤسساتي؛ فأصبحت الدولة ومؤسساتها فاسدة، بينما أركان النظام براء من هذا الفساد.

الثاني خارجي: عبر ربط مصالح الدّول به؛ فهو مهيمن على الدولة وقادر على تقديم كلّ التنازلات من أجل ضمان دعم الخارج له. فإذا كان المطلوب افلاس الدولة، نفلسها. إذا كان المطلوب تدمير القطاع التربوي، ندمّره. إذا كان المطلوب تهجير الناس من أرضهم، نهجّرهم. إذا كان المطلوب تشريع الحدود، نشرّعها. إذا كان المطلوب الاصطفاف المحاوري، نصطف. إذا كان المطلوب تفجير بيروت، نضع قنبلة موقوتة في مرفأها. إذا كان المطلوب التفريط بثروتنا المائية وهي أمّ الثروات، نفرّط بها. إذا كان المطلوب افساد البلد الى حدّ يفقد معه مكانته كمستشفى الشرق ومطبعة الشرق ومركز أعمال الشرق، نُفسده. وإذا كان المطلوب ضرب الزراعة، نضربها ونحوّل الأرض إلى سلعة. وإذا كان المطلوب بتر الصناعة، نبترها ونتجه نحو الاستهلاك من دون انتاج.

إنّ مجاهرة تيمور جنبلاط وتعريفه للعمل السياسي هو «الفيل» القابع في الغرفة. مواجهتنا مع هذا النظام الزبائني- العميل لا يجب أن تكون فيها أولويات من حيث تصنيف اركانه. فأولوية أركان النظام ومكوّناته تحويل المعركة إلى قضية تشبه قضايا الأحزاب، ما ينذر بخطورة كبيرة. من حافظ على موقعه في السلطة بكلّ الطرق الّا الوطنية والديمقراطية والإنسانية، لا يقلّ خطورة عن أي مكوّن آخر في هذا النظام. ومن يدّعي معالجة الأمور لاحقاً بعد وضع أولويّاته، انما هو ماكر لأنّه سيظلّ يحارب في معركة الحفاظ على وجوده بالتسلّط وبكلّ الطرق والأساليب؛ زبائنية وعمالة. لن يرضى بإقامة دولة، ولا بسيادة دولة في مربّعه.

الإحباط والخيبة هما نتيجة اختصار عمق المواجهة بقضيّة واحدة واختصار المسار بغاية. يقول ماكيافيلي في كتاب الأمير «مع بداية ظهور مرض فتّاك، يظنّ الأطبّاء أنّ الشّفاء منه سهل، وأنّ الصّعوبة تكمن في تشخيصه. مع مرور الوقت وعدم معرفة سبب المرض أو مكافحة أسبابه، يصبح التّشخيص سهلاً والمعالجة صعبة».

«17 تشرين» هي مسار الشفاء من هذا النظام. نجاحنا هو في التشخيص الصحيح، وليس في موقع هنا أو مقعد هناك. جمهور «17 تشرين» تفوّق على سائر الجماهير بموضوعيته الثاقبة ونقاشه الحضاري وإصراره.

(*) ناشط سياسي