مجيد مطر

الطائف بين الفاتيكان والسعودية

5 تشرين الثاني 2022

02 : 00

ها نحنُ بعد 30 عاما ونيّف بتنا امام مشروعين متنافرين، واحد يطالب بتطبيق اتفاق الطائف قبل الحديث عن تعديله، وآخر يطالب بتغييره بالمطلق.

المنطق السليم يفرض قبل اتخاذ موقف من هذا السجال، التأكيد على حاجتنا لإزالة الكثير من الالتباسات في خضم الحديث عن الإتفاق الذي يتعامل معه البعض على أنه جاء دفعة واحدة وفُرض كمؤامرةٍ على اللبنانيين، المسيحيين منهم على وجه التحديد. بيد أن الواقع في مكان آخر، ويناقض هذا الانطباع الزائف.

في الواقع إن الطائف جاء في سياقٍ زمني طويل، من ضمن مبادراتٍ اصلاحية صاغت جميعها مجموعةَ اصلاحاتٍ في الدستور والنظام، بهدف وقف الحرب العبثية، وإتاحة الفرصة لحوار غير دموي، يوقف الانقسام بين حكومتين واحدة سياسية وأخرى عسكرية.

فالرغبة الدفينة في اتهام السُنّة في لبنان ( الشهيد رفيق الحريري تحديداً) ومعهم المملكة العربية السعودية بالمسؤولية المباشرة عن اقرار اتفاق الطائف، بعيدة كل البعد عن الحقيقة (وهي تهمة مشرّفة)، إذ تكفي العودة الى ما كُتب في تلك الفترة من الزمن، حتى يتبيّن الخيط الابيض من الخيط الاسود.

واذا اقرّينا بمقولة أن «الاتفاق الثلاثي» مهّد الطريق للبحث عن صيغٍ اصلاحية في النظام السياسي، فالاتفاق المذكور وقّعه طرف مسيحي ( ايلي حبيقة) طرف درزي ( وليد جنبلاط) طرف شيعي ( نبيه بري) ، ولم يكن السُنّة وقتها ممثلين فيه، في دلالة على غياب تأثيرهم، لأسباب أكثر من معروفة.

الطائف اتفاق، صَبّت فيه روافد كثيرةٌ، وشكّلت ورقة المقترحات التي قدّمها الفاتيكان آنذاك رافداً من تلك الروافد. فالورقة التي حملها المبعوث الشخصي للفاتيكان أشيل سيلفستريني تضمّنت سلّةً من الاصلاحات من بينها المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وقراءة للنظام من واقعه الديموغرافي. كما دعا سفير الفاتيكان الى أن يكون الحل عبر الحوار للوصول الى قواسم مشتركة، كشرط للخروج من الازمة.

ومن بين تلك الروافد ايضاً، الدور الذي لعبه لاحقاً رفيق الحريري بتكليفٍ من السعودية، التي بدأت لعب الدور الوازن والمحفز على اتفاق اللبنانيين الامر الذي ازعج البعض، فكان الرد عبر اقتحام متظاهرين يحملون الاعلام الايرانية ( 1984) السفارة السعودية في بيروت واحراق محتوياتها. وهدفَ الاعتداءُ الى إبلاغ الجميع: لبنان ساحة محتكرة لسوريا وايران، وممنوع على أيّ دولة عربية التأثير من دون موافقتهما.

لطالما كان دور السعودية محفزاً للهدوء والتسويات العادلة. فهي دعمت عقد مؤتمري لوزان وجنيف للتأكيد على دور اللبنانيين في انهاء الاقتتال في ما بينهم، وجعلِ ذلك الدور وزاناً في مقابل العامل الخارجي. كانت ترفض دائما فكرة الحسم العسكري لفريق ضد فريق، او الفوز الصريح لطرف على طرف، لما في ذلك من مساوئ مستقبلية على صيغة العيش المشترك في لبنان. ولعبت دورها العربي في المساعدة على إقرار اتفاق الطائف بعد أن راقبت حثّ دولة الفاتيكان المسيحيين على الانخراط في الحوار الوطني، والقبول بالاصلاحات وإلا فهم ذاهبون نحو الكارثة.

فمن المنصف القول إن المملكة لم يكن لها مصالح خاصة بها في لبنان، واهتمامها في الشأن اللبناني إنما يأتي من خلفية الامن القومي العربي، واثبتت الوقائع صحة هذه الرؤية. فلم نر او نسمع يوماً، أن المملكة حمّلت لبنان، إن في الازمات بين العرب أنفسهم، او في الازمات ذات البعد الاقليمي والدولي، اكثر مما يحتمل، ولطالما باركت كل سياسة خارجية لبنانية بعيدة عن صراع النفوذ في المنطقة.

لا ندري ما يقصده دعاة تغيير النظام، انما ندري خطورة تلك الدعوة التي تأتي ضمن شروط غير متاحة، فأي تعديل في الدستور او النظام سيكون دراماتيكياً، وسيأتي بنتائج عكسية. فإن كانوا يدركون موازين القوى، فتلك مشكلة، وان كانوا لا يدركونها فالمشكلة اعظم، فلا عاقل يدعو لتغيير النظام، ان كان لا يملك القدرة على التأثير والموازنة.

هناك فرق كبير بين تغيير لصالح فرد او فريق بعينه، وبين تغيير يهدف الى تطوير الصيغة نحو مزيد من المواطنة وبناء دولة المؤسسات. فالخلط هنا ينتج عن سياسة مبتذلة وقاصرة، تهدف لتبرير الالتحاق بالمحور (ما غيرو) الذي ما انفك يعلن العداء لاتفاق الطائف الذي أقر ركائز الاستقرار: نهائية الكيان، المناصفة، والهوية العربية.

لا شك ان اتفاق الطائف ليس نصاً مقدساً، وكلُّ تغييرٍ نحو الافضل مطلوب ومفيد، إنما هذا لا يعني أن يكون التعديل تعسفياً، وناتجاً عن تبدّلٍ في موازين القوى. فالمشكلة ليست بنصّه، بل بتطبيقه. والذي يُعادي الطائف، فاته أن الميثاق المنبثق منه، قد عالج ازمة المشاركة في الحكم، فكان وسيلة مقبولة لحل هذه المشكلة، ومن المنطقي الإفصاح عن صيغة المشاركة التي يراد أن يعدل الدستور بسببها، وإلا سيقودنا نحو مغامرة جديدة، كتلك التي خبرناها قبل اللجوء الى السفارة.

(*) كاتب لبناني