رفيق خوري

شغور أسوأ من الفراغ

9 تشرين الثاني 2022

02 : 00

حكومة تصريف الأعمال في ورطة داخل ورطة لبنانية أكبر وأعمق. هي محكومة بإدارة الشغور الرئاسي من دون أن تكون مؤهلة حسب الدستور، بصرف النظر عن الإعتبارات والضرورات السياسية. والشغور كان مرئياً ومقروءاً ومسموعاً منذ شهور من دون أن تنجح الدعوات الخارجية والداخلية المتكررة في الحؤول دون الوصول إليه. فالنص في المادة 62 من الدستور هو أنه «في حال شغور سدة الرئاسة لأي علة كانت تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء». ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي إلتزم أمام «الثنائي الشيعي» ومرجعيات أخرى عدم الدعوة الى إجتماع لمجلس الوزراء إلا في حال الضرورة القصوى.

والمعنى البسيط لذلك تحويل الشغور الى فراغ، لأن حكومة لا تجتمع إلا بالمفرق لا تستطيع ممارسة صلاحيات الرئيس المناطة وكالة بمجلس الوزراء. ولا يمكن تغيير هذا الإستعصاء. فالرئيس ميقاتي ينطبق عليه اليوم ما كان يقال في الماضي عن لبنان: قوته في ضعفه. لا مجال لمحاسبته، ولا لإستقالته، ولا لنزع الثقة عن حكومته، ولا لمسؤوليته أمام المجلس النيابي، ولا لمراقبة ما يفعله كل وزير كأنه ملك على وزارته. ولا شيء يوحي أننا على موعد قريب مع إنتخاب رئيس للجمهورية، لا مع جلسات فولكلورية.

ذلك أن الكلام الشائع حالياً هو حصر الخيار الرئاسي بمن ينتقيه «حزب الله» من بين حلفائه. واللعبة لا يصح أن تكون كذلك. فما نحتاج إليه ليس رئيساً يلائم حسابات «حزب الله» ومشروعه بل رئيس لبناء مشروع الدولة وإخراج لبنان من «جهنم». رئيس يشرف على التنقيب عن الغاز بعد ترسيم الحدود البحرية، وعلى إتفاق مع صندوق النقد الدولي، ويصر على تحقيق الإصلاحات الثمانية المطلوبة لبدء مسار التعافي المالي والإقتصادي، كما على إنتظام العمل في المؤسسات وتحسين العلاقات مع العرب والغرب والشرق.

والكل يعرف أنه إذا أصر «حزب الله» على التعطيل كما فعل من عام 2014 الى عام 2016 لإيصال مرشحه الى القصر، فإن البلد يقع في عزلة عربية ودولية كبيرة وينضم الى إيران وسوريا تحت الحصار من دون أن يملك ما تملكه طهران ودمشق. فضلاً عن أن النظام القائم، حسب مقدمة الدستور، على «الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها» تعطل عبر الهيمنة على كل السلطات من خارجها، فلا فصل ولا توازن ولا تعاون. ومما نحتاج إليه في إعادة إحياء النظام، بصرف النظر عن الرغبات في تغييره، نوع من «فصل السلطات» بين رئاسة الجمهورية و»حزب الله» كما بينها وبين المرجعيات والأحزاب والتيارات.

ومن المفارقات أننا نطالب بالتدخل الخارجي في الإنتخابات الرئاسية، ونحن نرفع شعار «صُنع في لبنان»، ثم نرفض دعوات الدول الصديقة للمسارعة الى الإنتخابات، لأن تلك الدول لا تسمي مرشحاً حتى الآن.

صحيح «أن غياب أي حكومة أسوأ من وجود حكومة سيئة»، كما قال هوبز، لكن الصحيح أيضاً أن الحكومات السيئة سطت على اللبنانيين وقادت لبنان الى ما هو أسوأ من الفراغ والخراب.