سيبقى لبنان في الثلاجة الدولية إلى أن يقضي الله أمراً كان محتوماً. لا معطيات تشير إلى غير ذلك وفق نتائج مؤتمر «بغداد 2» الذي عقد في الأردن. لا ترى القوى العربية والإقليمية والدولية ما يستدعي إخراجه من الثلاجة في المرحلة الراهنة. ليس لأن هذه القوى متخاذلة أو متآمرة على الشعب اللبناني. ولكن لأنّ هذا الشعب متآمر على نفسه. هو لا يزال موالياً لزعيمه. وكلّ الويلات التي تقضي عليه وعلى أمانه وعلى مستقبله ومستقبل أولاده لم تغيّر في هذا الولاء شيئاً، ولأسباب تتراوح بين التعصّب الأعمى والاستزلام والمصلحة الخاصة. لذا لا تلام قوى الخارج إن هي لم ترَ في الداخل تحركاً يرغمها على اجتراح حلول وفرضها لإخراج لبنان من ثلاجة أزماته ووضعه على طريق الإنقاذ.
كلام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخير يوضح هذا الموقف. فهو ومن شارك في المؤتمر لم يعثروا حتى الساعة على «أشخاص من النزيهين على استعداد للقول إن الطبقة غير مهتمة بهم وعليها أن تتوقف عن العيش على حساب الناس». هم لم يجدوا في نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة شعباً اختار أكثرية برلمانية تضم مثل هؤلاء الأشخاص ليصار إلى التعاون معهم لتغيير القيادة في هذا البلد.
أو لعلهم لا يكترثون، ولم يكترث معظمهم في الأساس، كانوا، ولا يزالون على ما يبدو، يتعاملون مع الأمر الواقع، لذا يكتفون بدعم رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي لأنه يقف بوجه «الذين اغتنوا في السنوات الأخيرة ويريدون البقاء ويقومون بالابتزاز».
وكأن الذين اغتنوا سابقاً ممن يشكلون أهل المنظومة، لا ذنب عليهم. فهم بغالبيتهم يجيدون اللعب في زواريب الداخل وفي أروقة المجتمعين العربي والدولي. هم ملوك الكواليس، محترفون ماهرون، يلتقطون كلّ ما يفيدهم ليلقوا قبولاً، وعلى الطاير.
في حين أنّ «الذين اغتنوا في السنوات الأخيرة ويريدون البقاء ويقومون بالابتزاز» لا يزالون مبتدئين، يسكرون من الرائحة ولا يجيدون تقدير حجمهم الفعلي، لا يلتزمون بالقواعد، ولا مكان لهم في لعبة الكبار، بالتالي فإن ذنوبهم غير مغفورة. أكثر من ذلك، هؤلاء «الذين اغتنوا في السنوات الأخيرة» يحسبون أنّ ما قدموه للحاكم بأمره كفيل بتعويمهم إلى أبد الآبدين، لم يتحسبوا للقادرين على المزايدة، وسلبهم اللقمة من الفم.
لم يكتشفوا بعد أنّ ما يملكون من أوراق للابتزاز في الداخل والخارج لم تعد تنفع. بضاعتهم غير صالحة للمقايضة. سقطت رهاناتهم وخسروا رأس المال والأرباح، والّا لما اعتبر ماكرون، صراحة، أنّ «حزب الله» موجود، إن كان على الصعيد الأمني أو المستتر، ولكن أيضاً على الصعيد الرسمي والمنتخب.
ما يعني أنّ الخارج لا يهتم ببقاء «الحزب» أو زواله وزوال مشغّله الإيراني. ما يهمه هو قليل من النزاهة التي تؤمّن انتظام الحياة السياسية وفرملة الانهيار الاقتصادي، وتخفف نهب المال العام على طريقة «الذين اغتنوا في السنوات الأخيرة».
ما يعني أنّ بقاء لبنان في قبضة إيران، كما كان سابقاً في قبضة سوريا الأسد، وقبل ذلك في قبضة منظمة التحرير، مسألة ثانوية. الأساس في مشكلة لبنان يكمن في «حل مشكلات الناس وإخراج الذين لا يعرفون القيام بذلك».
وصودف أن «الذين لا يعرفون القيام بذلك» هم ذاتهم «الذين اغتنوا في السنوات الأخيرة» وأيضاً هم من يعرقلون الحلول بالابتزاز ويرفضون الاعتراف بأنّ أيامهم ولّت. شطبوهم من الجدول. ولا لزوم حتى لتحديد هويتهم، لأنّ ماكرون من خلال وصفهم اعتمد الطريقة الرحبانية و»سمى الجيرة وسمى الحي ولولا شوي سماني». وأوف... أوف... أوف...