جيفري فيلتمان

طريق إثيوبيا الشائك نحو السلام

30 كانون الأول 2022

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

تكثر أهوال الحرب الوحشية التي اندلعت في مرتفعات إثيوبيا الشمالية، في تشرين الثاني 2020، منها ممارسات الاغتصاب، والإعدام التعسفي، ومجاعة من صنع البشر، ومنع وصول المساعدات الطبية والخدمات، وعمليات الترحيل التي وضعها وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في خانة "التطهير العرقي". تشير التقديرات إلى موت حتى 600 ألف شخص، معظمهم من تيغراي، وقد توفي أكبر عدد منهم بسبب المجاعة والأمراض. طوال سنتين تقريباً، شعرت القوى الغربية والإقليمية بالقلق من هذه الأحداث لكنها لم تفعل شيئاً لكبح العنف أو منع تفكك ثاني أكبر دولة من حيث العدد السكاني في أفريقيا.



حقق الاتحاد الأفريقي إنجازاً غير متوقع، في تشرين الثاني 2022، فسهّل الاتفاق على وقف إطلاق النار بين الحكومة الإثيوبية و"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي". لا يمكن اعتبار الاتفاق والخطة الرامية إلى تنفيذه في المرحلة اللاحقة مثاليَين بأي شكل، فهما لا يعالجان عدداً كبيراً من مسائل السلام العالقة والشائكة. الأسوأ من ذلك هو أنهما يتجاهلان أبرز قوة تخريبية محتملة. لم تشارك إريتريا في الاتفاق ولم يذكرها النص مباشرةً، مع أنها تحارب إلى جانب الحكومة الإثيوبية في تيغراي. انحازت أسمرة إلى أديس أبابا على مر الصراع، لكنها تعتبر "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" تهديداً وجودياً وقد تمتعض من أي اتفاق سلام يحمي التنظيم ويبقي قادته على قيد الحياة.

مع ذلك، تتعدد الخطوات التي يستطيع شركاء إثيوبيا الدوليون اتخاذها لدعم اتفاق السلام وتحسين فرص نجاحه. يمكنهم أن يهيئوا الأجواء لإبرام الاتفاق عبر التكاتف لتقديم دعم موحّد لتنفيذه واستعمال نفوذهم المحدود لمنع إريتريا وقوى تخريبية محتملة أخرى من إطالة مدة الصراع. من خلال تسريع المساعدات الإنسانية القادرة على إنقاذ حياة الناس، ودعم آليات المراقبة والتحقق الجديرة بالثقة، وتشجيع الأطراف المتناحرة على إلحاق محادثات تنفيذ وقف إطلاق النار بعملية سياسية واضحة، تستطيع القوى الخارجية أن تدعم اقتراح السلام الإثيوبي الذي يبدو واعداً رغم هشاشته حتى الآن.

لكن ستضطر الحكومة الإثيوبية في نهاية المطاف لكسب الدعم من شركائها الدوليين عبر تنفيذ الاتفاق بحسن نيّة. تتعدد المعايير التي يُفترض أن يراقبها المجتمع الدولي، منها انسحاب القوات الإريترية من إثيوبيا وقوات أمهرة المحلية من تيغراي، وإطلاق آليات انتقالية وجديرة بالثقة لتحقيق العدالة ومحاسبة المرتكبين، وإنشاء عملية سياسية لحماية اتفاق وقف إطلاق النار من المخرّبين وإخماد الاضطربات وأعمال العنف في أجزاء أخرى من إثيوبيا. يُفترض ألا يجدّد شركاء إثيوبيا الدوليون مساعداتهم الاقتصادية والتنموية بعد تعليقها في أولى مراحل الحرب، إلا إذا تأكدوا من التقدم الثابت الذي تحرزه أديس أبابا في هذه المجالات.

لترسيخ الوحدة في القرن الأفريقي، تقضي إحدى الطرق بتقوية الهيئة الحكومية للتنمية (كتلة إقليمية مؤلفة من دول شرق أفريقيا لطالما تجاهلتها إريتريا أو حاولت إضعافها). تبقى صلاحيات هذه الهيئة محدودة، لكن من خلال تقويتها وزيادة قدرتها على تلبية حاجات وطموحات المواطنين في القرن الأفريقي، يمكن التصدي لحملة القمع المحلية التي يقودها رئيس إريتريا أسياس أفورقي وتعميق التعاون الإقليمي. كذلك، لن يتمكن أفورقي من استغلال انقسامات إقليمية كبرى إذا عولجت الاختلافات بين إثيوبيا ومصر والسودان بسبب "سد النهضة الإثيوبي الكبير" المثير للجدل.

لكن رغم الدعم الدولي الموحّد للاتفاقيات الإثيوبية، لا مفر من نشوء مشاكل أخرى على مستوى تفسير البنود. لن تُحدَّد أي مُهَل نهائية، وسيبحث المخرّبون المحتملون، بالإضافة إلى إريتريا، عن نقاط ضعف لاستغلالها، بما في ذلك عناصر أمهرة المتشددون أو حتى المسلحون من حركة "الشباب". كذلك، قد يمنع شركاء إثيوبيا الخارجيون انهيار عملية السلام عبر دعوة الإثيوبيين إلى متابعة التركيز على المنافع السياسية والاقتصادية التي يضمنها السلام.

من المتوقع أن تخضع عملية نزع سلاح "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" وتفكيكها لتدقيق واسع وأن تحظى بدعم الإثيوبيين خارج إقليم "تيغراي"، لكن ستبقى عملية دمج المقاتلين السابقين عرضة للإهمال، ما يثير امتعاض سكان تيغراي. يجب أن تقاوم أديس أبابا نزعتها إلى استعمال اتفاق بريتوريا كعذر لفرض احتلال عسكري عدائي على سكان تيغراي المتضررين. في النهاية، يجب أن تعالج أي عملية سياسية مسألة الأراضي التي تطالب بها أمهرة وتيغراي ولا يذكرها اتفاق بريتوريا بطريقة مباشرة. في هذه المناطق المتنازع عليها، يطرح انسحاب المقاتلين القادمين من أمهرة وإريتريا وعودة سكان تيغراي بعد ترحيلهم مخاطر سياسية كبرى على رئيس الوزراء آبي أحمد. لكن رغم هذه التحديات المرتقبة، تبدو المؤشرات واعدة حتى الآن. بدأ العمل على استئناف الخدمات في تيغراي، وتوسّعت عمليات تسليم المساعدات الإنسانية، ويحافظ الطرفان على تواصل بنّاء، ولا يزال وقف الأعمال العدائية مستمراً.

وفق مشاركين في محادثات نيروبي، ترك المفاوضون باسم الحكومة الإثيوبية و"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" المجال مفتوحاً أمام مساهمات الأمم المتحدة وخبراء آخرين، علماً أن الطرفين يسعيان في الوقت الراهن إلى تشكيل فريق لمراقبة وقف إطلاق النار والتحقق منه. إذا كانت هذه المعلومة صحيحة، سيكون هذا النوع من التجاوب واعداً وإثباتاً على تغيّر وجهة البلد الذي يفتخر في العادة بمنع تدخّل الجهات الخارجية عموماً والأمم المتحدة خصوصاً. سيتألف فريق المراقبة والتحقق من عشرة أعضاء فقط، وفق بنود اتفاق بريتوريا، ما يعني أنه لن يتمكن من توسيع نطاق عمله لإقناع كل طرف بامتثال الطرف الآخر. لكن قد يسمح الخبراء من الأمم المتحدة وأماكن أخرى بتحويل ذلك الفريق إلى أداة لبناء الثقة قدر الإمكان.

على صعيد آخر، لا يذكر اتفاق بريتوريا وإعلان نيروبي شيئاً عن دور الشركاء الخارجيين، مع أن الحكومة الإثيوبية تتوقع استئناف المساعدات من الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وتجدّد التمويل لإعادة البناء في أسرع وقت. فيما تزيد الجهات المانحة مساعداتها الإنسانية للإثيوبيين المتضررين من الحرب والجفاف التاريخي، ستضطر في الوقت نفسه للتوفيق بين الحاجة إلى دعم تنفيذ اتفاق السلام وضرورة تأمين بعض التمويل لمعالجة مسائل شائكة مثل محاسبة المرتكبين على انتهاكات حقوق الإنسان. يُفترض أن يتوقف استئناف كامل المساعدات المالية والتنموية على الوضع في إثيوبيا ككل بدل أن يُركّز على وضع تيغراي والعلاقات بين الحكومة الإثيوبية و"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي".

تزامناً مع تنفيذ بنود اتفاقيات بريتوريا ونيروبي، يجب أن يشجّع شركاء إثيوبيا الحكومة الفدرالية على تطوير عملية وطنية شاملة وجديرة بالثقة لمعالجة الاضطرابات الناشئة في أماكن أخرى من البلد، بما في ذلك أوروميا. يجب أن يعالج جميع الإثيوبيين مسائل سياسية أساسية، مثل كيفية تعديل ميزان القوى بين السلطات الفدرالية والمناطقية، بطريقة سلمية وشاملة. كلما زادت مظاهر الوحدة في إثيوبيا، ستتراجع قدرة الجهات الخارجية المتطفلة على استغلال انقسامات البلد.

تحمّلت إثيوبيا، على مر تاريخها الطويل، فصولاً متعددة من أعمال العنف العرقية المريعة، وكانت هذه الأحداث تنتهي عموماً بهزيمة حاسمة لأحد الطرفَين. رغم الأعمال الوحشية التي شهدها البلد في آخر سنتين، يجرّب آبي وسكان تيغراي مقاربة مختلفة الآن، وهي تقضي بتجميد نشاطات المسلحين، ونزع أسلحتهم عن طريق التفاوض، وعقد المصالحة لترسيخ رغبتهم المعلنة بوقف الأعمال العدائية بشكلٍ دائم. لكن يثبت تصاعد العنف في أوروميا أن احتمال تفكك إثيوبيا لا يزال قائماً، علماً أن هذه النتيجة قد تترافق مع عواقب كارثية على الإثيوبيين وجيرانهم وقد تؤثر على دول أخرى حول العالم.

من مسؤولية الإثيوبيين أن يطبقوا اتفاق وقف إطلاق النار ويطلقوا عملية سياسية قادرة على التصدي للقوى المركزية التي تُهدد بتفكيك البلد. لكن من مصلحة جيران إثيوبيا وشركائها أن تنجح هذه العمليات أيضاً، وقد يضطرون للمشاركة في هذا المسار بما يفوق رغبة أديس أبابا، لا سيما إذا قررت إريتريا التدخل. غالباً ما يتكلم القادة الأفارقة عن مبدأ "الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية"، لكنّ مشاكل أفريقيا قد تؤثر على مصالح بلدان واقعة خارج القارة. في ما يخص إثيوبيا، يُفترض أن يعلن الاتحاد الأفريقي صراحةً أن الحلول قد تكون أفريقية لكنّ دعمها ليس حكراً على أفريقيا بالضرورة.