شهيد نكد

هل نستهلك الأحداث أم هي تستهلكنا؟

5 دقائق للقراءة

نشعر أحياناً، ونحن نقوم بجردة أحداث السنة المنقضية، بأنّ بعضها حصل في زمن غابر؛ فنحن نسيناها تقريباً ووضّبناها في أرشيف الذكريات. في المقابل نحمل معنا الأحداث التي ما زالت «طازجة» إلى السنة الجديدة بحماسة شديدة، حتّى اشعار آخر.

2022 كانت السنة الّتي سخنت فيها الحرب الباردة وهي كانت قد بدأت منذ أكثر من سبعين عاماً، فوقعت الواقعة الروسية - الأوكرانية؛ حرب لها ثقلها على العالم كلّه اقتصادياً وسياسياً وأمنياً. تأتي في سياق ولادة نظام عالمي جديد وما سيتمخّض عنه ما زال غير واضح.

إضافة إلى ذلك، أتت هذه الحرب بعد عامين من هيمنة فيروس كورونا على الساحة الدولية. هذا الفيروس الّذي هزّ العصا للحضارة البشرية معلناً موقفاً صريحاً وحازماً: أنّ الانسان ليس اللاعب الوحيد على هذا الكوكب. أملَ البعض أنّ فيروساً بمنتهى الصغر قادر على اعطاء درس كبير للإنسان، وأنّ الهمجيّة المتحضّرة التي تهيمن على سلوك الانسان جاء من يروّضها.

عبثاً، فما ان اختفى ذيل كورونا حتّى بان رأس الحرب! ما زالت القوى العظمى تظنّ أنّها الأعظم وأنّ الكوكب هو حقّ مكتسب لها؛ تقسّمه وتقطّعه كما تشاء من دون حسيب أو رقيب. رسالة كورونا كانت واضحة لمن يجيد القراءة، واستهزاء القوى العظمى كان أكثر وضوحاً.

بالنسبة لغالبية الناس إنّ الحرب الروسية - الاوكرانية لم تعد حديث الساعة. أفل نجمها بعد انقضاء شهر أو شهرين على اندلاعها. تماماً كما حصل مع كورونا من قبلها. مع بدايتها، وكما مع بداية كلّ ازمة او حرب يحتلّ المحلّلون الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي، ويستعرضون تحليلاتهم التي ترقى إلى حدّ اليقين، وبين صاروخ وضحاه يتحوّل المحلّل إلى خبير في الشؤون الروسية - الأوكرانية وهو الّذي كان خبيراً في شؤون الأزمة السابقة وسيتحوّل إلى خبير في الشؤون الّتي ستستجدّ. لا تنتهي هذه الطفرة هنا؛ المشاهد المسمّر أمام شاشة التلفزيون أو التلفون يتحوّل بدوره إلى خبير في الجيوبوليتيك والعلاقات الدولية والتاريخ واللّغات والأديان والأعراق وفي الجغرافيا، يغوص في بحار ويعبر مضائق لم يكن قد سمع بها سوى حديثاً…ونسيها حتماً اليوم مع اقتراب انتهاء السنة وبدء سنة جديدة.

نطوي سنة ونشلحها في خزانة النسيان، ونتلقّف سنة جديدة من خزانة المستقبل. نبدّل السنوات كما نبدّل ثيابنا الشتويّة بالصيفيّة. لا ندري يقيناً ما الذي تفعله الأحداث بنا؛ تستهلكنا أم نستهلكها؟

في عصر الاستهلاك الجشع تحوّل كلّ شيء إلى سلعة. حتى الاحداث والأزمات والأوبئة والحروب تتحوّل إلى سلع. في مفهومه العميق، الاستهلاك هو فعل قائم على الاستغلال والاستنزاف. يكون هناك تبادل أدوار بين الفاعل والمفعول به. فالمستهلك يستهلك السلعة، والسلعة تستهلك المستهلك.

إنّ استهلاك الأحداث هو من الأمور الرائجة في عصرنا، فتطوّر وسائل التواصل أدّى إلى سرعة فائقة في نقل الخبر، كما إلى امكانية نقل كمية أخبار ومعلومات مهولة. تماماً كما يساهم تطوّر وسائل النقل والتنقّل في نقل الفيروسات بشكل سريع ومخيف قادر أن يؤدي إلى فقدان السيطرة عليه واحتوائه.

تكمن خطورة استهلاك الأحداث والأخبار والمعلومات في تكوين سلوك غير مبالٍ؛ نجلس بانتظار الحدث التالي وأخباره والمعلومات المحيطة به.

إنّ أزمة الاستهلاك هذه تطال حياتنا في لبنان بشكل يومي. نعيش في ظلّ نظام (لا أعني هنا النظام السياسي فقط) قادر على أن يحوّل انتباهنا كلّ يوم إلى أحداث وأخبار ومعلومات جديدة ومستجدّة. وكلّما أدرنا ظهرنا إلى حدث ودخلنا في اتون آخر مستجدّ كلّما انطبقت علينا مقومات الاستهلاك المتمثّلة بالاستغلال والاستنزاف.

ها هي جريمة سرقة أصحاب المصارف لودائع الناس، وها هي جريمة افلاس الدولة، وها هي جريمة تفجير بيروت؛ استهلكناها كلّها وهي استهلكتنا. لم ننتج عدالة ولم ننتج تغييراً. انكبّ اهتمامنا على مزيد من الاستهلاك، وما توقّفت الأحداث والأخبار والمعلومات بدورها عن استهلاكنا.

في عام 2022 حلّت بنا أزمات كثيرة: جنون سعر الصرف، المحروقات، الدواء، الطحين، وغيرها من أزمات تطال حياتنا اليومية وكرامتنا. ماذا فعلنا؟ تماماً كما فعلنا مع حرب روسيا وأوكرانيا. استهلكنا كلّ هذه الأزمات بسلوك لامبالٍ، واستهلكتنا هي بدورها عبر تدجيننا. تنتهي سنة 2022 تماماً كما انتهت كلّ السنوات قبلها رجوعاً إلى 1990. حينها انتهت الحرب الباردة بين الأميركيين والسوفيات، وبدأت النيوليبرالية ببسط هيمنتها على العالم شرقاً وغرباً. حينها أيضاً، انتهت الحرب في لبنان، وهيمن نظام الزبائنية على الدولة ساحلاً وجبلاً. تلاقي ثقافتيْ الاستهلاك الجشع الّذي تقوم عليه النيوليبرالية، والزبائنية التي يقوم عليها الحكم في لبنان كان تلاقياً مدمّراً للبنان. فشهوات الاستهلاك أطلقت العنان لزبائنية من دون ذمّة ولا ضمير.

خلال كلّ هذه السنوات مرّت أحداث كثيرة، لم يعلق في ذهننا الكثير لكن التحوّلات كانت دراماتيكية وحاسمة. أن نعي التحوّلات قد يكون مخرجاً من الدوران الفارغ المتمثّل بالاستهلاك وبسلوك اللامبالاة. يقول اينشتاين «المعلومات ليست معرفة». فالبحث عن هذه المعرفة قد يكون ما نحن أحوج اليه من أي شيء آخر!

لسنة 2023 أو لأي سنة أخرى أطرح تمنياتي بقالب أسئلة: إذا كانت حرب الكبار ببرودتها حارقة، فما بالك وهي ساخنة؟ في أي سنة سيعمّ السلام؟ ومتى سينفد صبر الكوكب؟

(*) ناشط سياسي