لم يواجه العالم احتمال اندلاع "حرب نوويّة" حقيقيّة منذ أزمة الصواريخ الكوبية العام 1962 كما هي الحال اليوم بعد الغزو الروسي المشؤوم لأوكرانيا في 24 شباط 2022. والخطورة تكمن في تعدّد الساحات حيث ترتفع فيها مخاطر "الصراع النووي"، فاحتمال تدهور الوضع العسكري وتطوّره إلى "صدام نووي" لا يقتصر على شرق أوروبا فحسب، إذ إنّ التوتّر العسكري والجيوستراتيجي مرتفع للغاية في شبه الجزيرة الكوريّة، فضلاً عن المخاوف من احتمال تنفيذ إسرائيل عمليّة عسكريّة خاطفة ضدّ المنشآت النوويّة الإيرانيّة باستخدام أسلحة نوويّة تكتيكيّة، إضافةً إلى التوترات الحدوديّة بين قوى نوويّة كحال النزاعَين الصيني - الهندي والهندي - الباكستاني، اللذَين يبقيان مضبوطين إلى حدّ ما في الوقت الحالي، لكن لا أحد يعلم أين يمكن أن يجرّ أي صدام غير محسوب القوى المتصارعة.
بدأ التلويح باحتمال استخدام الأسلحة النوويّة على لسان القادة الروس مع بداية الحرب الروسيّة ضدّ أوكرانيا، وزادت من وتيرة التهديدات وتصاعد نبرتها النكسات الميدانيّة للآلة العسكريّة الروسيّة على الجبهات الأوكرانيّة بفعل المقاومة الشرسة للمقاتلين الأوكران التي عزّزها الدعم الغربي، لا سيّما الأميركي، العسكري والمالي والسياسي والديبلوماسي. لم يتوانَ المسؤولون الروس عن خرق "الخطوط الحمر" التي كانت سائدة على الساحة الدوليّة والمتعلّقة بالخطاب الحربي والسياسي، خصوصاً ذلك الذي يتناول الأسلحة غير التقليدية. فالرئيس الروسي السابق ونائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف لعب دوراً أساسيّاً على هذا الصعيد، فقد هدّد مرّات عدّة باحتمال استخدام السلاح النووي. وكان آخرها تحذيره في الأوّل من تشرين الثاني من العام الماضي من أن نيّة كييف باستعادة أراضيها المحتلّة، بينها شبه جزيرة القرم، "تُهدّد وجود دولتنا" وتُقدّم "دافعاً مباشراً" لاستخدام "وسائل الردع النووي".
وكان لافتاً ومعبّراً جدّاً خروج مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي الإسباني جوزيب بوريل عن "اللهجة الديبلوماسيّة" المعتادة أوروبّياً للردّ على توالي التهديدات الروسيّة باستخدام السلاح النووي، حين هدّد في 13 تشرين الأوّل من العام الماضي، موسكو، قائلاً: "أي هجوم نووي ضدّ أوكرانيا سيولّد ردّاً، ليس ردّاً نوويّاً، بل ردّاً عسكرياً قوياً من شأنه أن يقضي على الجيش الروسي". كما سبق للأمين العام لـ"حلف شمال الأطلسي" ينس ستولتنبرغ أن حذّر روسيا من "عواقب وخيمة" في حال شنّت هجوماً نوويّاً، وقال: "لن نتحدّث عن الطريقة التي سنردّ بها بالضبط، لكن هذا بالطبع سيُغيّر طبيعة النزاع بشكل جذري". والتحذيرات الغربيّة الصارمة للكرملين بارتفاع كلفة أي "مغامرة نوويّة" على روسيا بالذات، قد يُبعد شبه "الحرب النوويّة" عن أوروبا، ولو في المدى المنظور، خصوصاً مع وجود نوع من "توازن رعب" على هذا الصعيد بين المحورين.
لكن ما يُثير مخاوف المراقبين هو خروج الأمور عن السيطرة في أي نكسة عسكريّة هائلة غير متوقّعة لقوّة نوويّة، خصوصاً مع وجود قيادة توتاليتارية على رأس النظام المعني، الأمر الذي يُعقّد على "الحلقة الضيّقة" المحيطة بالقائد الأعلى للقوات المسلّحة مهمّتها في إبداء "مشورة حكيمة" و"لجم" أي نيّة لاتخاذ قرار بتنفيذ ضربة نوويّة عند أي "انفعال جنوني" قد يُعمي المُتحكّم بالزرّ النووي عن التفكير بطريقة سليمة وواقعيّة، ما قد يجرّ العالم بأسره إلى ردود فعل تصعيديّة وبالتالي إلى نتائج كارثيّة على البشريّة جمعاء. وهذا السيناريو بالذات، يدق ناقوس الخطر بشكل أساسي في شبه الجزيرة الكوريّة، حيث يحكم نظام شيوعي بقيادة كيم جونغ أون كوريا الشمالية المنعزلة.
لقد كثّف نظام بيونغ يانغ من تجاربه الصاروخيّة الاستفزازيّة في الآونة الأخيرة، في وقت تتخوّف فيه أجهزة الاستخبارات الغربية من قيام كيم بإعطاء أوامره لإجراء تجربة نووية جديدة قريباً، ستكون السابعة في تاريخ البلاد والأولى منذ العام 2017. كما كشف كيم مع انطلاق العام الحالي أن بلاده ستُركّز على "الإنتاج الضخم" للأسلحة النووية التكتيكية وتُطوّر نظاماً آخر لصواريخ باليستية عابرة للقارات مهمّتها الرئيسية "تنفيذ ضربة نووية مضادة سريعة"، مهدّداً بأنّ تلك الأسلحة وضعت كوريا الجنوبية بكاملها في مرمى الضربات.
وفي مواجهة هذه التهديدات النووية المتصاعدة والمخاطر العسكرية المتفاقمة، يبدو أن واشنطن وسيول بدأتا خوض محادثات في شأن إجراء مناورات مشتركة للأسلحة النووية الأميركية، كما كشف الرئيس الكوري الجنوبي يون سوك يول أخيراً، على الرغم من نفي الرئيس الأميركي جو بايدن هذا الأمر، إذ عادت الرئاسة الكوريّة الجنوبيّة لتأكيد كلام يون. لكنّ البيت الأبيض تحدّث لاحقاً عن أن واشنطن وسيول تُخطّطان لـ"ردّ منسّق وملموس وفعّال" في حال استخدام بيونغ يانغ أسلحة نووية. وهكذا، تكون كوريا الشمالية قد نقلت الصراع مع جارتها الجنوبية والغرب إلى مستوى آخر أكثر عمقاً وخطورة، ما يضع الأمن والسلام الإقليميَّين في مهبّ العاصفة ويدفع النظام الدولي إلى "حافة الهاوية النووية" في حال حصول صدام قد يستدرج ضربات نووية.
لا يحتمل العالم "أوكرانيا ثانية"، لا في شبه الجزيرة الكوريّة ولا في أي مكان من حول العالم. لكنّ إدارة أي وضع مضطرب بشكل سيّئ قد يأخذ المعمورة برمّتها إلى خيارات متطرّفة قد تُهدّد الحياة على الكوكب وبالتالي مستقبل البشريّة. فأي لجوء لضربات غير تقليديّة سيترتّب عنها ردود فعل تصعيدية وضربات مضادة ستُضيّق نافذة المفاوضات البنّاءة والحلول السلمية وتفتح "أبواب الجحيم" على مصراعيها في عالم يشهد فوضى ما زالت تحت السيطرة حتّى اللحظة، لكنّها تستنزف اقتصادات الدول وقدرات العائلات والأفراد على الصمود بفعل تضرّر سلاسل التوريد العالمية منذ تفشّي الوباء نهاية العام 2019 وازدادت مع شنّ الكرملين حربه الضروس ضدّ أوكرانيا. لقد أجمع الكثير من الفلاسفة والمؤرّخين على مرّ العصور على أن الدرس الأبرز الذي يُمكن استنتاجه من كتب التاريخ هو أن الإنسان لا يتعلّم من مآسي التاريخ وعبره. فهل تقضي المصالح القومية والاستراتيجية للقوى النووية، المتشابكة مع حسابات مستقبليّة خاطئة لبعض القادة المصابين بـ"جنون العظمة"، على السلام الدولي؟