ألوف بن

نوايا نتنياهو الحقيقية تنكشف

9 كانون الثاني 2023

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

نتنياهو برفقة زوجته سارة ملوّحاً لمؤيديه بعد نتائج الاقتراع الأولى للانتخابات البرلمانية الإسرائيلية | ٢٩ كانون الأوّل ٢٠٢٢

عاد بنيامين نتنياهو إلى السلطة لإتمام مهمة خاصة: تحويل إسرائيل إلى دولة استبدادية وعنصرية تضع اليهودية التقليدية فوق حقوق الإنسان، وتتعامل مع المواطنين العرب كأعداء لها، وتقضي على التوازنات التي فرضها سلك قضائي قوي ومستقل. وصل رئيس الوزراء إلى السلطة عبر تشكيل كتلة برلمانية تعتبر الأفكار الديمقراطية والليبرالية منتجاً أجنبياً يهدف إلى إضعاف هوية الدولة اليهودية.



تنذر الاتفاقيات بين أعضاء الائتلاف بتغيير جذري، فقد تعهد هؤلاء بأن يسمحوا بالتمييز ضد المرأة وغير اليهود والمثليين "لأسباب مرتبطة بالمعتقدات الدينية". هم اعتبروا ارتفاع عدد السكان العرب في مناطق إسرائيل الشمالية والجنوبية "تحدياً ديمغرافياً". نادراً ما تُنفَّذ الاتفاقيات السياسية الإسرائيلية بحذافيرها، لكنها تكشف نوايا المسؤولين وتشير إلى وجهة صانعي السياسة. توضح مجموعة الاتفاقيات الراهنة إذاً أن الائتلاف الحاكم الجديد في إسرائيل يحمل أكثر الميول اليمينية تطرفاً في تاريخ البلد.

يقود ثلاثة سياسيين المعسكر المتعصب إيديولوجياً في الائتلاف الجديد، علماً أن نتنياهو يبدو متساهلاً مقارنةً بهم. السياسي الأول هو إيتمار بن غفير، مساعِد الرجل الذي أسس منظمة "كاش" السياسية العنصرية والمؤيدة للعنف (صُنّفت كمنظمة إرهابية وخارجة عن القانون في العام 1994 بعدما قتل أحد مناصريها 29 مسلماً). السياسي الثاني هو بتسلئيل سموتريتش، زعيم المستوطنين اليهود المتطرفين في الضفة الغربية، وقد اعتُقِل في العام 2005 وبحوزته 200 غالون من الوقود يُشتَبه بأنه كان يُخطط لاستعمالها لتخريب البنية التحتية الوطنية ومنع إسرائيل من إزالة المستوطنات في غزة. سرعان ما أُطلِق سراحه من دون توجيه التُهَم ضده. أما السياسي الثالث فهو آفي معوز، رئيس حزب ديني قومي صغير ومتعصّب يهدف إلى تطهير نظام التعليم، والخدمــة المدنية، وووســائل الإعلام الإسرائيلية، من الليبراليين والحركة النسوية والمثليين. يدرك هؤلاء المتطرفون الثلاثة أن نتنياهو معروف بوعوده الكاذبة، لذا طالبوا بصلاحيات دستورية جديدة قبل الموافقة على جعله رئيس الوزراء وحصلوا على ما يريدونه. سيقود بن غفير الشرطة الإسرائيلية ودوريات الحدود وهو يملك صلاحيات وزارية غير مسبوقة. وسيحصل سموتريتش على كامل الحرية لتوسيع المستوطنات ودعم ضم أراضي الضفة الغربية إلى إسرائيل. أما معوز، فسيكون مسؤولاً عن التعليم خارج المناهج المعتمدة وسيحصل على ميزانية خاصة "لترسيخ الهوية اليهودية في إسرائيل".

خلال الحملة الانتخابية للعام 2022، فشل خصوم نتنياهو في توحيد صفوفهم، فغرقوا في خلافاتهم الشخصية. في غضون ذلك، وحّد نتنياهو كتلته واستفاد من زيادة شعبية بن غفير المستجدة بعدما كان شخصية هامشية سابقاً في معسكر اليمين المتطرف. طرح بن غفير برنامجاً انتخابياً مبنياً على فرض النظام والقانون: هو يدعو ضمناً إلى اعتبار المجتمع العربي في إسرائيل، حيث تُسجَّل مستويات غير مسبوقة من الجرائم، عدو الداخل. كما أنه تعهد بأن يثبت لعرب إسرائيل "من هو صاحب الأرض الحقيقي". احتل ائتلاف بن غفير وسموتريتش ومعوز المرتبة الثالثة في الانتخابات بعد حزبَي "الليكود" و"يش عتيد"، فحصل نتنياهو بذلك على كتلة فيها 64 مقعداً برلمانياً من أصل 120. بالنسبة إلى نتنياهو، كانت هذه النتيجة أفضل بكثير مما توقعته استطلاعات الرأي العام. مقارنةً بالنتائج الانتخابية المتقاربة في تاريخ إسرائيل الحديث، يُعتبر هذا الفوز ساحقاً.

حاول نتنياهو أن يبعد نفسه عن شركائه التقليديين والعنصريين والمعادين للمثليين عند تشكيل حكومته الجديدة، فأجرى مقابلات مع وسائل إعلام أميركية محافِظة وتعهد فيها باستلام زمام القيادة بدل الرضوخ لشركائه السياسيين، مع أنه تفاوض على اتفاقيات تدعو صراحةً إلى اتخاذ التدابير اللازمة لدعم تفوّق اليهود. بعبارة أخرى، بدأ نتنياهو مجدداً يلعب دوراً مزدوجاً: طمأنة الليبراليين حول استعداده لحماية أسلوب حياتهم العلماني من التعصب الديني، وإبلاغ المحافظين بأنه ينوي تحقيق أحلامهم.

على أرض الواقع، لا يستطيع نتنياهو أن يُحقق الهدفَين معاً، وقد بدأ الائتلاف المتطرف يكشف نواياه الاستبدادية الحقيقية. ينطبق ذلك أيضاً على إصلاحاته الدستورية المقترحة التي تحتل الأولوية في أجندة الحكومة. تهدف هذه الإصلاحات إلى تدمير استقلالية السلك القضائي وتفكيك نظامٍ يملك فيه المستشارون القانونيون الحق برفض القرارات الوزارية والبيروقراطية: يمنح أحد الاقتراحات الحكومة صلاحية إلغاء قرارات المحكمة العليا. عيّن نتنياهو ياريف ليفين رئيساً لحملة الإصلاح، علماً أنه كان قد اعتبر القضاء الإسرائيلي فرعاً تابعاً لليسار المتطرف. وبصفته وزير العدل، تقضي مهمة ليفين الضمنية الأخرى بإيجاد طريقة قانونية لعرقلة محاكمة نتنياهو وتحرير رب عمله من ذلك العبء.

مقابل دعم إصلاحات نتنياهو، سيستفيد المعسكر التقليدي المتطرف، الذي دعمه بشراسة خلال سنوات الاضطرابات السياسية، من إعفاءات إضافية (هم معفيون أصلاً من الخدمة العسكرية، لكن يواجه هذا الإعفاء مشاكل قانونية تريد القيادة الحاخامية التخلص منها). كذلك، من المنتظر أن يستفيد هذا المعسكر المتطرف من قواعد جديدة وميزانية متوسّعة تُسهّل امتناع مدارسهم عن تعليم اللغة الإنكليزية والرياضيات للفتيان، فيتسنى لهم أن يركزوا على تعلّم الدين حصراً. على صعيد آخر، ستتوقف حركة النقل العام في أيام السبت، وستعتبر الحكومة الدراسات الحاخامية مساوية للشهادات الأكاديمية عند تقييم مقدّمي طلبات التوظيف في القطاع العام، وسيصبح التلقين الديني جزءاً من مناهج المدارس العلمانية، ويتّخذ فصل الجنسَين في الأماكن العامة طابعاً قانونياً في جميع المجالات، بدءاً من المناسبات الثقافية وصولاً إلى وسائل النقل العام. تضطر المرأة منذ الآن أصلاً للجلوس في الجهة الخلفية من الحافلات التابعة لجماعات تقليدية متطرفة. هذه السياسات المعادية للنساء ستصبح قانونية الآن.

أكثر ما يثير قلق المراقبين الدوليين على الأرجح هو إصرار نتنياهو على اعتبار الشعب اليهودي الطرف الوحيد الذي يملك الحق في امتلاك "أرض إسرائيل" كلها. يُعتبر هذا المبدأ من أهم التوجيهات الرسمية في الحكومة الجديدة. لتنفيذ وعده "بدعم المستوطنات وتطويرها" في جميع الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل، من المنتظر أن يوسّع نتنياهو وجود الشعب اليهودي في الضفة الغربية عبر انتزاع أراضٍ أخرى من الفلسطينيين. ستعمد حكومته إلى دمج المستوطنات الراهنة مع النظام الإسرائيلي القانوني والحكومي عبر خطوات مثل منح صفة قانونية كاملة للبؤر الاستيطانية الناشئة من دون موافقة الحكومة. لتحقيق هذه الأهداف، منح نتنياهو سلطة مطلقة إلى سموتريتش لإدارة المستوطنات. هو يخطط لتبنّي مجموعة من التدابير، منها زارعة الأشجار في الأراضي غير المأهولة، ودعم الرعاة اليهود لطرد الفلسطينيين من الأراضي التي تطمع بها إسرائيل.

يتوقع الفلسطينيون من جهتهم أن تأتي التدابير الحكومية لتزيد الوضع المريع سوءاً. شهدت الضفة الغربية تصاعداً في أعمال العنف، وقد امتدت مظاهرها إلى الأراضي الإسرائيلية. منذ آذار 2022، كثّف بعض الفلسطينيين اعتداءاتهم ضد الإسرائيليين (معظمهم عناصر فردية وأعضاء في جماعات مسلّحة مرتجلة)، فيما وسّع جيش الدفاع الإسرائيلي نطاق عملياته في عمق البلدتَين الفلسطينيتَين، جنين ونابلس، وهما معقلان لمقاومة الاحتلال منذ أن كان البريطانيون يحكمون المنطقة. في العام 2022، قُتِل 31 إسرائيلياً (من مدنيين وعناصر أمن) على يد الفلسطينيين، بينما قُتِل 147 فلسطينياً على يد قوات الأمن الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية. كذلك، قتل المستوطنون اليهود أربعة فلسطينيين، وقُتِل فلسطيني آخر على يد جندي أو مستوطن، وقُتِل أربعة فلسطينيين غير إسرائيليين على يد قوات الأمن والشرطة داخل إسرائيل. تتفاقم أعمال العنف هذه تزامناً مع تقدّم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في السن، فهو يبلغ 87 عاماً ويحارب إسرائيل دبلوماسياً ويتعاون معها في مسائل الأمن، وقد نشأت في الوقت نفسه أزمة لتحديد هوية من سيخلفه. كذلك، بدأت السلطة الفلسطينية تخسر سيطرتها في أهم بلدات الضفة الغربية. إذا فرضت الحكومة الإسرائيلية تدابير جديدة للإمعان في إضعافها، لا مفر من توسّع نطاق العنف في المرحلة اللاحقة.

في ظل تراجع القيود المحلية التي تتحكم بسلطة نتنياهو، قد تلعب الدول الخارجية دوراً محورياً لتحديد مستوى السياسات الاستبدادية العنصرية التي يستطيع تنفيذها. من المتوقع أن يعترض الرئيس الأميركي جو بايدن على أكثر التدابير تطرفاً. حين اتصل بايدن بنتنياهو لتهنئته على تشكيل الحكومة الجديدة، أخبره بأن واشنطن "ستتابع دعم حل الدولتين ومعارضة السياسات التي تُهدد تنفيذه أو تتعارض مع مصالحنا وقيمنا المشتركة". أوضح ذلك الموقف أن بايدن سيمنع أي جهود تهدف إلى ضم أراضي الضفة الغربية بشكلٍ مباشر. كذلك، ستبقى تحركات نتنياهو محدودة بسبب "اتفاقيات أبراهام" المبرمة في العام 2020، فهي طبّعت العلاقات بين إسرائيل والبحرين، والمغرب، والإمارات العربية المتحدة، وتم التوقيع عليها مقابل تخلي إسرائيل عن ضم الأراضي.

لكن لم يتّضح بعد إلى أي حد سيكون المجتمع الدولي مستعداً لمواجهة الحكومة الإسرائيلية الجديدة بدل الاكتفاء بتوجيه انتقادات رمزية. كان الرئيس باراك أوباما مثلاً ينتقد سياسات نتنياهو دوماً بسبب طريقة تعامله مع الفلسطينيين، لكنه لم يتخذ أي تدابير ملموسة مثل دعم تشديد قرارات الأمم المتحدة لإجبار رئيس الوزراء الإسرائيلي على تغيير مساره. ورغم عمق الخلافات بين الطرفين بشأن إيران وفلسطين، قرر أوباما زيادة المساعدات العسكرية الأميركية إلى إسرائيل. سيكون استعداد الممثلين الحكوميين لمقابلة بن غفير وسموتريتش أو مقاطعتهما اختباراً مبكراً لإثبات جدّيتهم في تحدي نتنياهو. لن يكون مستوى الدعم المرتقب مسألة بسيطة بالنسبة إلى رئيس الوزراء الذي طرح وعوداً دولية كبرى، مثل قصف منشآت إيران النووية وعقد السلام مع المملكة العربية السعودية. هو يحتاج إلى أي دعم خارجي يمكنه الاستفادة منه.

لكن بغض النظر عن مستوى الدعم الدولي الذي يتلقاه نتنياهو، بدأت إسرائيل تدخل مرحلة جديدة قد تُقرّبها من دول استبدادية مثل المجر، وبولندا، وتركيا. يريد نتنياهو أن يصبح النسخة الإسرائيلية من فيكتور أوربان، فيبطل صلاحيات السلك القضائي، ويسيطر على وسائل الإعلام، ويمنع الإسرائيليين من التصويت ضده لإسقاطه من السلطة. على خصوم نتنياهو إذاً أن يضعوا خلافاتهم جانباً ويعيدوا توحيد صفوفهم للقتال في سبيل الحريات المدنية، وحرية التعبير، والمساواة، إذا أرادوا إنقاذ ما تبقى من ديمقراطية إسرائيل الهشة.