ألكسندر ج. موتيل

حان وقت الإستعداد لانهيار روسيا

16 كانون الثاني 2023

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع الزعيم السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف

منذ أن فشلت محاولات روسيا للاستيلاء على كييف وإنشاء حكومة خاضعة لها في أيام الحرب الأولى، أصبحت هزيمة الكرملين في أوكرانيا أقرب إلى الواقع. بعد مرور سنة تقريباً على بدء الغزو، أكثر ما يثير الدهشة هو الغياب شبه التام لأي نقاش بين السياسيين، وصانعي السياسة، والمحللين، والصحافيين، حول تداعيات هزيمة روسيا. إنه غياب خطير للسيناريوات المتوقعة بعدما أصبح احتمال انهيار روسيا وتفككها واقعياً.



يزيد احتمال انهيار البلد مع كل يوم جديد بسبب خليط من الحرب الفاشلة في الخارج وتصدّع النظام وهشاشته في الداخل. وبغض النظر عن تداعيات هذا الوضع على الغرب، يُفترض أن يستعد صانعو السياسة للتعامل مع هذه النتيجة.



نظراً إلى مساحة روسيا الشاسعة، واضطراب مناطقها تاريخياً، وتنوع الانتماءات العرقية غير الروسية نتيجة غزوات الإمبراطورية على مر قرون، يتعلق السيناريو الذي يستحق أعلى درجات الانتباه بتفكك السلطة المركزية وانهيار الاتحاد. تكثر التجارب التاريخية التي شهدت انهيار الدول بعد الحروب، والثورات، وتفكك الأنظمة، والأزمات الاقتصادية، وتطورات محورية أخرى. انهارت إمبراطورية نابليون مثلاً بعد مسيرته الكارثية نحو موسكو وهزيمته اللاحقة خلال معركة لايبزيغ. وفي العام 1918، انهارت الإمبراطوريات النمسوية المجرية، الألمانية، العثمانية والروسية، بسبب الهزائم العسكرية. تبقى القرارات والسياسات والشخصيات مؤثرة طبعاً، لكنّ الحروب والأزمات الاقتصادية والاجتماعية المرافقة لها هي التي دفعت تلك الدول إلى حافة الفوضى السياسية وأعمال العنف في معظم الحالات.



لنفكر أيضاً بتفكك الاتحاد السوفياتـي، وهو تطور لم يحبذه أو يتوقعه معظم الروس حين استلم ميخائيل غورباتشوف السلطــــة بصفته زعيم الحزب الشيوعي السوفياتـي في العام 1985. في بداية العام 1991، صوّتت أغلبية المواطنين السوفيات خلال استفتاء للحفاظ على بلدهم. أعلنت جميع الجمهوريات، بما في ذلك روسيا، سيادتها في العام 1990. ثم أعلن الجميع، باستثناء روسيا، كامل استقلاله بعد الانقلاب الفاشل في العام 1991. لكن انهار النظام في المقام الأول لأن غورباتشوف قرر تجديد الاتحاد السوفياتي من خلال إلغاء أبرز خصائصه (التوتاليتارية والتخطيط المركزي)، فحرّك بذلك قوى سياسية واجتماعية واقتصادية عادت ودفعت معظم الجمهوريات لاحقاً إلى الاحتماء من الفوضى عن طريق الحُكم الذاتي والاستقلال. كانت "البيريسترويكا" (سياسة غورباتشوف الأساسية لإعادة هيكلة الاقتصاد والسياسة) هي التي دمّرت الاتحاد السوفياتي عن غير قصد.



إذا انهارت روسيا بالشكل نفسه اليوم، لن يكون انهيارها على صلة مباشرة بالنخبة الروسية أو السياسات الغربية، بل يتأثر الوضع بقوى بنيوية أكبر حجماً. تتعامل روسيا في عهد فلاديمير بوتين مع مجموعة من الاضطرابات المتشابكة التي أنتجت دولة أكثر هشاشة بكثير مما يعترف به الرئيس الروسي، بما في ذلك الهزيمة العسكرية والأخلاقية والاقتصادية في الحرب الأوكرانية، فضلاً عن هشاشة النظام السياسي المركزي والعقيم الذي يقوده بوتين، وانهيار شخصيته الذكورية فيما يواجه الهزائم والمرض ومعالم التقدم في السن، وسوء إدارة اقتصاد الدولة البترولية الروسية، والفساد المستفحل الذي يخترق جميع مستويات المجتمع، والانقسامات العرقية والمناطقية الشاسعة في آخر إمبراطورية لم تتصالح بعد مع الحقبة المعاصرة. قد لا يرغب الكثيرون في تفكك روسيا اليوم، لكن لا يصعب توقّع السيناريو الذي يدفع الوحدات المكوّنة لروسيا إلى البحث عن الأمان عبر إعلان استقلالها في ظل توسّع الاضطرابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.



توحي الظروف الراهنة بأن انهيار النظام الروسي لا يتطلب أكثر من اضطراب واحد. قد تصبح الحرب الأوكرانية الفاشلة، التي أثبتت ضعف بوتين ودولته، الشرارة التي تشعل الوضع في المؤسسات الروسية. لا يمكن توقّع مسار هذا النوع من الأحداث طبعاً، وقد تتجاوز روسيا الأزمة الراهنة وتحافظ على استقرارها بقيادة بوتين أو خَلَفه. لكن حتى لو تحقق هذا السيناريو، لا مفر من أن تضعف الدولة الروسية وتستمر جميع الاضطرابات البنيوية. يبدو أن بوتين شخصياً يشتبه بحصول ذلك، فقد تكلم في خطاب رأس السنة عن انعكاسات الحرب على استقلال روسيا، وهو موقف لم يسبق أن عبّر عنه يوماً.



لكن إذا اشتعلت هذه الشرارة فعلاً، فهل سيكون انهيار روسيا المحتمل عنيفاً ومضطرباً لدرجة أن يطلق حرباً أهلية؟ تقول المؤرخة مارلين لارويل، مديرة "معهد الدراسات الأوروبية والروسية والأوراسية" في جامعة جورج واشنطن: "قد ينتج أي انهيار حروباً أهلية متعددة، إذ من المتوقع أن تقاتل الدويلات الجديدة بعضها البعض على الحدود والأصول الاقتصادية. في غضون ذلك، قد تردّ النُخَب الروسية بعنف على أي حركات انفصالية".



كذلك، يظن وزير الخارجية الأميركي السابق، هنري كيسنجر، أن "تفكك روسيا أو تدمير قدرتها على تصميم السياسات الاستراتيجية قد يُحوّل أرضها التي تشمل 11 منطقة زمنية إلى مساحة متنازع عليها". في الوقت نفسه، قد تنقلب الجماعات الروسية على بعضها وتستعمل العنف، بينما تلجأ القوى الخارجية إلى استخدام القوة لتوسيع مطالبها. يكتب كيسنجر: "هذه المخاطر كلها قد تزداد سوءاً بسبب وجود آلاف الأسلحة النووية". يقضي أفضل مسار برأيه بعدم تحويل روسيا إلى دولة عاجزة بسبب الحرب، بل ضمّها إلى "عملية سلام" لا تزال تفاصيلها وقابلية تنفيذها مبهمة.



لكن تبقى توقعات لارويل وكيسنجر من أسوأ السيناريوات المحتملة ولا بد من التشكيك بها. تكشف التجارب التاريخية أن تفكك الإمبراطوريات غالباً ما يكون فوضوياً في البلدان المنهارة، لكن لا تكون النتيجة سيئة بالنسبة إلى البلدان المجاورة أو بقية دول العالم في جميع الحالات. أطلق انهيار نابليون حقبة من السلام النسبي في أوروبا، وترافق تفكك الإمبراطورية النمسوية المجرية مع بعض القتال الأولي، بما في ذلك بين البولنديين والأوكرانيين، لكن استقرت الظروف مجدداً بعد بضع سنوات. وحتى الانهيار السوفياتـي كان سلميـــاً بدرجة لافتة، لأن الجمهوريات السوفياتيــــة السابقة التي اكتسبـت استقلالها حديثاً والبلـدان الأوروبية التابعة لها شمــلت حدوداً متعارفاً عليها وإدارات فاعلة، وكانت النُخَب فيها مستعدة لبناء دولة حقيقية.



لكن في حالات سلبية أخرى، أدى انهيار السلطنة العثمانية إلى قتال مريع بين الأتراك واليونانيين، وأطلق انهيار الإمبراطورية الروسية صراعاً امتد من بحر البلطيق إلى المحيط الهادئ، ومهّد سقوط الإمبراطورية الألمانية لاندلاع الحرب العالمية الثانية.

أي مسار ستسلكه روسيا في حال انهيارها إذاً؟ لا أحد يستطيع توقّع ما سيحصل، إذ يثبت تاريخ الإمبراطوريات أن العمليات الانتقالية السلمية نسبياً أو التطورات العنيفة ممكنة.

قد يفترض المتشائمون أن روسيا المفككة ستخوض الحرب مع الدول الانفصالية، بينما يتوقع المتفائلون أن تضعف القوات الروسية بعد هزيمتها في أوكرانيا، فلا يسمح لها وضعها بالقتال على جبهات متعددة. كذلك، قد يظن المتشائمون أن الدويلات غير الروسية الجديدة في شمال القوقاز أو أي أماكن أخرى ستتقاتل في ما بينها في نهاية المطاف، بينما يفترض المتفائلون أن غير الروس يملكون حدوداً إدارية وحكومات إقليمية وموارد اقتصادية هائلة (قامت موسكو باستنزافها الآن)، ما يسمح لهم بتجنب الصراع مع جيرانهم. وقد يظن المتفائلون أيضاً أن الوضع لا يمكن أن يسوء لدرجة أن تفوق تداعياته حرب الإلغاء التي أطلقتها روسيا. لكنّ المتشائمين قد يؤكدون على تدهور الوضع بدرجة إضافية ويتكلمون عن ترسانة روسيا النووية. تتعلق نقطة التوافق الوحيدة بين المعسكرين بتحوّل روسيا المفككة إلى مرشّحة محتملة لخوض حرب أهلية، نظراً إلى وجود جيوش خاصة كبيرة ومدججة بالسلاح.



باختصار، لا مفر من أن يتوقع المتفائلون والمتشائمون معاً مسار الأحداث الدرامية المرافقة لانهيار روسيا المحتمل. لا تستطيع السياسات الغربية ولا بوتين شخصياً منع هذه التطورات لأن روسيا أصبحت معرّضة لأزمات مؤسسية عميقة، وهي تزداد سوءاً بسبب بوتين، ذلك الرجل الذي أضعف روسيا وزعزع استقرارها وأطلق شرارة قادرة على تدمير البلد.



لكن لا يعني ذلك أن يقف الغرب على الهامش ويراقب انهيار روسيا بكل بساطة، بل يجب أن يستعد لتفككها المحتمل. يُفترض أن تُوجّه أسوأ السيناريوات التي طرحها كيسنجر ولارويل صانعي السياسة، ما يعني أن يتمنّوا حصول الأفضل، ويتوقعوا الأسوأ، ويحافظوا على اتزانهم، ويستعدوا للحالات الطارئة. كذلك، يجب ألا يكرروا أخطاء الماضي، لا سيما محاولة مساعدة الاتحاد السوفياتي المنهار على الصمود وإعطاء الأولوية لحاجات روسيا قبل حاجات الدول المجاورة لها. ستكون البلدان الواقعة على حدود روسيا، من دول البلطيق إلى آسيا الوسطى، أساسية لاحتواء أي اضطرابات تشهدها روسيا، شرط أن تحافظ على استقرارها وتنشئ منطقة عازلة. تبقى هذه البلدان أساسية أيضاً لمساعدة الدول المستقلة حديثاً في الاتحاد الروسي على ترسيخ استقرارها وتبنّي مقاربة معتدلة. على وقع هذه التطورات، سيكون استمرار الدعم الغربي القوي لأوكرانيا، وصولاً إلى دعم بيلاروسيا الحرّة وبلدان مؤثرة مثل كازاخستان، أفضل ضمانة لتقليص حدّة الصدمات المحتملة في حال انهارت إمبراطورية بوتين فعلاً.