بعد إحدى عشرة جلسة للجنة صوغ البيان الوزاري والتي لم تبق حرفاً أو كلمة أو فقرة أو بنداً إلا ودققت فيه، التأم مجلس الوزراء في بعبدا أمس، وخاض الوزراء في نقاش حول أمور تجميلية في البيان مثل تقديم فقرة على أخرى وتغيير عبارة بأحسن منها، وتوسيع بند ليصبح قابلاً للفهم ولتوضيح ما صار ممجوجاً في المواقف المكررة والمستعادة.
كل هذا "المكياج" الإضافي للبيان الوزاري، لم يجعل "العروس" أكثر قابلية لإحداث الصدمة الإيجابية المطلوبة، واستثارة طاقة النواب وتحريك بنات أفكارهم لكي يعيدوا النظر في الموقف من هذه الحكومة، لا سيما الكتل والنواب الذين لم يسموا الرئيس حسان دياب في استشارات التكليف، وحتى "الحردانين" في حلف الأكثرية الحالية الذين سيحتاجون إلى عنصر "الضغط" حتى لا تأتي الثقة هزيلة.
ومن عناصر "الجذب الإضافي"، تغيير اسم الحكومة بناءً على طلب دياب من حكومة "انقاذ لبنان" إلى حكومة "مواجهة التحديات" على أمل ألّا يحصل تغيير ثالث لتصبح حكومة "إدارة التفليسة"، بينما ركّز عون على البند المتعلق بالنازحين حيث أضيفت توضيحات بعدما صارت المساحات الآمنة في سوريا شاسعة ويمكن إعادة النازحين اليها، مع الترحيب بأي مبادرة دولية أو إقليمية أو عربية لحل ملف النزوح في لبنان، كما ادخلت تعديلات في التبويب، لا سيما في خلال النقاش حول بند الكهرباء لجهة هل يتم تعيين الهيئة الناظمة قبل تعيين مجلس الإدارة أو المجلس قبل الهيئة أم يحصل ذلك بالتوازي، ليصطدم الجميع بأن الامر يحتاج الى تعديل قانون الكهرباء الامر الذي يفترض ان يحصل سريعاً، والأكثر حماسةً في النقاش حول هذا البند كان وزير الثقافة والزراعة عباس مرتضى الذي تبين أنه تصدى لمهمة معينة في هذا الإطار ثم انكفأ ليترك أمر اقتراح تعديلات في خطة الكهرباء لا سيما موضوع التعيين إلى الوزير المختص.
أما الموضوع الذي استحوذ على حيّز من النقاش فهو مكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة، وكان نقاشاً إيجابياً وسط إجماع على اتخاذ الاجراءات القانونية والقضائية الكفيلة بذلك، واتفق على وضع آلية لاستعادة الأموال المنهوبة، وأضيف إلى بند تقوية شبكات الأمان الاجتماعية فقرة تنص على إقرار قانون ضمان الشيخوخة، ولم يتم إدخال أي تعديل على الشق السياسي من البيان الوزاري.
والبيان الذي اجتهدت اللجنة في عملية "زمّه" بحيث أصبح 16 صفحة بدلاً من 17 صفحة، أتى بمثابة البيان "المعجّل المكرّر" الذي استنسخ الكثير من صيغ البيانات الوزارية السابقة لا سيما في الشق السياسي وصولاً إلى اقتباس خطة الكهرباء السابقة قبل أن يصار إلى إدخال بعض الروتوشات عليها تحت وطأة الانتقادات، بالإضافة إلى وضع رئيس الجمهورية لمسة "النازحين" على الصيغة النهائية، بينما كان الأكثر تكلماً في خلال مناقشات الجلسة الوزيرات، وتحديداً وزيرة العدل ماري كلود نجم التي داخلت في أغلب النقاط المثارة، وميّز رئيس الحكومة نائبته وزيرة الدفاع الوطني زينة عكر بإشادة خاصة لأنها مارست دورها كنائب رئيس حكومة وهي التي اشتغلت على ترجمة الأفكار والمداولات في خلال اجتماعات لجنة الصياغة كما هي التي أعادت صياغة الفقرات التي خضعت للتعديل.
وبعد جلسة دامت 150 دقيقة، اقرّ مجلس الوزراء البيان الوزاري بالاجماع، وذلك في جلسة عقدها عند التاسعة من صباح امس في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وحضور رئيس الحكومة حسان دياب والوزراء. وسبق الجلسة لقاء بين عون ودياب تم خلاله عرض ابرز النقاط الواردة في مسودة البيان الوزاري الذي انجزته اللجنة الوزارية.
وشكر عون في مستهل الجلسة الجهود التي بذلت من أجل إنجاز البيان الوزاري، مشدداً على ضرورة وضع أولويات في كل وزارة لأن المشاريع كثيرة ولا بد من إبراز ما هو مهم وملح أكثر من غيره.
وقال: بعد نيل الحكومة الثقة، لا بد من بدء العمل فوراً لتعويض ما فات من وقت خلال الاسابيع الماضية، وانا على ثقة بأنه في مقدور الوزيرات والوزراء القيام بالمهمات الموكولة اليهم. وطلب اضافة بند عودة النازحين السوريين الى نص البيان الوزاري، لا سيما ان غالبية هؤلاء النازحين اتوا الى لبنان هربا من اوضاع امنية صعبة، ولا بد من عودتهم بعدما زالت هذه الاوضاع في غالبية المناطق السورية التي باتت آمنة.
ولفت الى ان بعض الدول يعارض حتى الآن عودة النازحين، و"نتساءل عن اسباب هذه المعارضة على رغم اننا طرحنا هذا الملف في كل اللقاءات الدولية والاقليمية لمساعدتهم في اراضيهم لتشجيعهم على العودة، ولا نزال ننتظر التجاوب الدولي".
وتحدث دياب فقال ان الجلسة مخصصة لاقرار صيغة البيان الوزاري الذي نعتبره برنامج عمل يحدد تطلعاتنا ومنهجية تفكيرنا. وقال: هذا البيان غير مستنسخ، وهو نتج عن احد عشر اجتماعا في فترة قصيرة، وهو سيكون نموذجاً للحكومات التي ستلي. واني اذ انوه بالجهود التي بذلت لانجاز البيان بصيغته النهائية، اود ايضا التنويه بالجدية التي سادت المناقشات في لجنة البيان الوزاري وبين الاعضاء، ولا سيما جهد نائب رئيس الحكومة وزيرة الدفاع الوطني.
واضاف ان هذا البيان هو نتاج وقائع ودراسات، ولا يحمل اي مقاربات شخصية او حسابات فردية. ان طموحنا اكبر بكثير لكن البرغماتية وضعتنا امام حقائق لا يمكن تجاهلها. واشار الى ان الاسم الذي اطلقه على الحكومة هو "حكومة مواجهة التحديات"، طالبا من كل وزير "وضع لائحة بالمشاريع الخاصة بوزارته لتكون جاهزة خلال اللقاءات التي نعقدها مع المسؤولين الدوليين، وكذلك خلال زيارات العمل التي سنقوم بها".
بعد ذلك تلا الامين العام لمجلس الوزراء القاضي محمود مكية البيان الوزاري، وأُدخل عليه عدد من التعديلات، ثم أقرّ بالاجماع.