عماد موسى

وعد مروان نجّار

3 دقائق للقراءة

ذات ليلة بلا نهاية، قبل عشرين عاماً، وكانت ساعة الـ "أل بي سي" قد تخطت الثانية فجراً، كنتُ وزميلي المعروف بالـ "بيكو" نعاند النعاس لاستكمال ريبورتاج ما، وإذ بجاري إيلي أضباشي يطلّ من غرفة مونتاج محاذية ويطلبني على عجل. ماذا هنالك؟ سألت.

أجاب: لدي مشكلة. أريد منك أن تسجّل بصوتك خبراً عن الحلفاء من ثلاثة أسطر. في ذاك اليوم أرّخت تجربتي الدرامية الأولى. سجّلت الخبر بصوتي ودفعتني حشريتي للتطفل على مقتطفات من المسلسل الذي كان يعمل أضباشي عليه: "من برسومي"، وهو من ثلاث عشرة حلقة فقط كتبها سمير سعد مراد. وفيه عاد المؤلف بالزمن إلى الأربعينات وأعاد المخرجُ أنطوان ولطيفة ملتقى إلى الشاشة الصغيرة بعد انقطاعهما الذي دام 27 عاماً. ومع الثنائي ملتقى لعب أدوار البطولة تقلا شمعون ونقولا دانيال وموريس معلوف وكارمن لبس وأنطوان بالابان ومن لا يقلّ شأناً عنهم، ولا أذكر إن ورد اسمي إلى جانب الزملاء...

تمت برمجة "من برسومي" في "بحر الأسبوع" في وقت كانت الـ "أل بي سي" تعرض "أحلى بيوت راس بيروت" لمروان نجار يوم الأحد، وبتطفلي على تقرير نسب المشاهدة، وخلافاً لتوقعاتي، ظهر أن مسلسل نجار يحلّق في الأعالي، وبسبب نجاحه استُتبع بجزء ثان، فيما لم يلاقِ "من برسومي" سوى متابعة متواضعة، علماً أن الفارق فنياً وإنتاجياً بين العملين واضح. أضباشي طرّز مشاهده برؤية سينمائية شديدة الإتقان ونجّار كان "يشيل" حلقة كل يومين.

في سبعينات القرن الماضي تمتعتُ بمشاهدة ديالا على شاشة الجيران. في الثمانينات لفتني "الأستاذ مندور" أما آخر مسلسل لنجار فتابعت حلقاته بانتظام "هيك ربّونا"( 1987) ومن ينسى فؤاد عواد، فارس إبن إم فارس، في واحد من أفضل الأدوار الكوميدية على الشاشة الصغيرة؟ ولاحقاً شاهدت الحلقات الأولى من كل إنتاجات نجّار...واكتفيت.

في المسرح، ومسرح الفودفيل تحديداً حقق مروان نجار "النقطة الكاملة" من دون منافسة، والفودفيل أصعب من المسرح التجريبي والكلاسيكي. قدم في ربع قرن أعمالاً (مقتبسة) نظيفة، تُضحِك من دون ابتذال، وتسلّي من دون فلسفات استمر عرضها لأشهر طويلة. ولأن شخصية نجار ككاتب ومنتج ومشرف ومتدخّل في كل التفاصيل كانت طاغية، جاء دور المخرج تنفيذياً فقط. مرة واحدة اعترف لي في مكتبه أن سمير حبشي "خربط" مشاهده المكتوبة ولم يترك له حق الإعتراض!

صديقاً كان مروان ومحباً لزملائه ومتفهّماً لرأينا، غير المتطابق مع رأي الأكثرية، في أعماله. وكنت كلّما التقيته في ردهة مسرح يذكرني بحماسته المعهودة ويعدني بأنه سيقدم قريباً "مسرح مسرح" مختلفاً عمّا اعتاده الناس منه. كأنه قصد بقوله: يمكنني أن أشتغل أيضاً ما يرضي ذائقة النخبة. خلفتَ بالوعد يا مروان.