من دعوة عشاء تجمع نديم (رودريغ سليمان) وزوجته مايا (زينة مكي) مع صديقتها لين (جويل منصور) وصديقها داني (وليد عرقجي)، تنطلق الأحداث في مسرحيّة "كذبة بالصينيّة". الطبق الرئيسي هو "كبة بالصينيّة"، لكن ما يُقدَّم على المائدة يتجاوز الطعام إلى سلسلة من المفاجآت والمواقف الحرجة الممزوجة بالكوميديا السوداء. فشخصية مايا مهووسة بالنظافة والتنظيم، في حين يعاني زوجها نديم من ضعف أمام النساء، ما يفتح الباب أمام دوّامة من الأكاذيب البيضاء والسوداء التي تتكشف لمشاهدي المسرحيّة.
تغوص "كذبة بالصينية" في دهاليز الكذب والخيانة، إحدى أكثر القضايا حساسية وانتشارًا في مجتمعنا، بأسلوب يجمع بين الطرافة والعمق. المسرحيّة المستمرّة عروضها حتى 9 تشرين الثاني المقبل على "مسرح المونو"، من كتابة وليد عرقجي وزياد نجّار، ومن بطولة رودريغ سليمان، زينة مكي، جويل منصور ووليد عرقجي، وإخراج زياد نجّار.
العرض يشكّل محطّة خاصة للممثلة زينة مكي التي تخوض تجربتها المسرحية الأولى، حيث يبدو التفاعل بينها وبين بقية الممثلين طبيعيًّا وسلسًا، ما منح العمل حيوية إضافية تظهّرت في تفاعل الجمهور.
طرافة ورسالة
يروي المخرج زياد نجّار أنه حين اجتمع مع الكاتب وليد عرقجي الذي أطلعه على المسوّدة الأولى من النص المسرحي الذي حمل منذ البداية عنوان "كذبة بالصينيّة"، "طلب منّي وضع لمساتي الإخراجية. قرأت العمل وأحببت فكرته وتركيبته، لكنني شعرت أنّ النص يحتاج إلى إعادة صياغة بأسلوب "الفودفيل" الأوروبي الذي تعلّمته من والدي (الكاتب الراحل مروان نجّار)، لذلك اشترطتُ عليه أن نعيد الكتابة معًا. وافق وليد على الفور لأنّ هدفه كان من الأساس رفع النص إلى مستوى أعلى".
يتابع نجّار حديثه مع "نداء الوطن" قائلًا: "بدأنا رحلة إعادة كتابة المسرحيّة، واتفقنا على الأهداف الكبرى قبل الدخول في التفاصيل الصغيرة. أنجزنا أكثر من ستّ عشرة مسوّدة قبل أن نصل إلى النسخة النهائية التي تُعرض اليوم على المسرح. هذه المراجعات لم تكن مضيعة للوقت، بل جعلت النص أكثر إحكامًا وقدرة على الجمع بين الطرافة والرسالة. أكثر ما جذبني إلى العمل، هو أن رغم الخيانة والكذب والآفات الاجتماعية التي يتناولها النص، فإنه يفتح في نهايته بابًا واسعًا لتأكيد أهميّة الأسرة وصمودها، وكيف يتمكّن الأزواج من تحمُّل بعضهم والمحافظة على بيوتهم".
تدريبات وصعوبات
"شهران للتدريب كانا من أجمل الفترات التي أمضيتها" يقول نجّار، ويتابع: "نصف الوقت كان للعمل الجدّي ونصفه الآخر للضحك والمزاح وتحليل النص. من فريق عمل متجانس تحوّلنا إلى أصدقاء حقيقيّين، وهذا الانسجام انعكس لاحقًا على الخشبة".
لكن كما في كلّ عمل، خصوصًا خلال فترة الإعداد والتدريب لا بدّ من صعوبات واجهها الفريق. نسأل نجّار عنها، فيجيب: "من الصعوبات التي واجهناها تأمين مسرح للتمارين. "مسرح المونو" محجوز دائمًا للعروض، ولم يمنحنا سوى يومَين أسبوعيًّا لإجراء البروفات، لذلك اضطررنا إلى التدرّب يوميًا في أماكن مختلفة. كان الأمر مرهقًا لكنه جعلنا أكثر مرونة".
المسرح بخير
بالنسبة لزياد نجّار لطالما كان المسرح مساحة للتعبير عن وجع الناس، لكنه يرى أن الكوميديا باتت حاجة ماسّة اليوم، "لأنّ اللبناني يعيش الدراما يوميًا في حياته، أما الضحك فبات نادرًا"، لذا يعتبر نجّار أن واجب المسرح أن يُضحك الجمهور أكثر من أن يُبكيه.
نسأل نجل مروان نجّار التارك بصماته على تاريخ المسرح اللبنانيّ المعاصر، عن واقع هذا القطاع حاليًا، فيجيب: "منذ عام 2023 نشهد نهضة حقيقية. صحيح أنّ الحرب الأخيرة انعسكت سلبًا عليه قليلًا، لكن بعد انتهائها عاد الجمهور بسرعة إلى الصالات، وهذا دليل على أن المسرح حاجة أساسية. طبعًا لا يمكن مقارنة الوضع بما كان عليه في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي حين لم تكن مواقع التواصل والمنصات الرقمية وُلدت بعد، لكن إذا أخذنا الظروف الحالية في الاعتبار أستطيع القول إنّ المسرح بخير".
والدي الملهم الأول
تأثر زياد نجّار كثيرًا بالمسرح الأوروبي والأميركي، لكن في مجال "الفودفيل" يبقى والده ملهمه الأول. يقول نجّار إن "من يشاهد "كذبة بالصينية" سيلاحظ التشابه في الأسلوب، خصوصًا في ديناميّة الممثلين والحركة على الخشبة والتي تولّد الضحك. ومع ذلك، لديّ خطي الخاص".
هل من نصائح يذكرها زياد مروان نجّار من والده في هذا الإطار؟ يقول: "كان يقول دائمًا أحبّوا عملكم واستمتعوا وأنتم تؤدونه، لأن الجمهور يشعر بصدقكم. كما كان يركّز على أن تكون بُنية النص مُحكمة، وأن تكون لكلّ كلمة قيمة حقيقية، وإن لم تكن كذلك، فالأفضل حذفها. هذه النصائح رافقتني طوال الوقت، وحاولت تطبيقها في هذه المسرحية".
مشاريع فنيّة
يعمل زياد نجّار حاليًا على أكثر من مشروع: "أوّلها مسرحيّة مع الممثلة ساشا دحدوح، من المتوقع عرضها في آذار 2026، وستكون مزيجًا من الدراما والكوميديا، وتتضمن عناصر مبتكرة لم يشهدها المسرح اللبناني من قبل". إلى ذلك، يُعدّ نجّار مسرحية ثانية للعام نفسه، وأخرى للعام 2027. في الوقت عينه، لا يستبعد العمل في السينما لكنه يرى أنها تحتاج إلى ميزانيّات كبيرة، كما لا يستبعد العمل للتلفزيون، لكنه يرى أنّ الأخير يعاني من احتكار بعض الوجوه، "لذلك أستثمرُ وقتي وجهدي في المسرح".
وثمّة مشروع يعمل عليه نجّار مع شقيقتَيه. "وضعنا خطة لإعادة إحياء أعمال والدي ابتداءً من عام 2027، لكننا نريد قبل ذلك أن نثبت خطّنا الفني الخاص. كما أسّسنا "معهد نجّار للفنون التعبيرية"، حيث نقدّم ورشًا في التمثيل والخطابة والتعبير الصوتي". يركّز المعهد على تدريب الأطفال والمراهقين، كما وضع برامج للكبار بعد سن الخمسين. "نعتبر هذه الخطوات استمرارًا طبيعيًا لمسيرة والدي"، يؤكّد نجّار.
صدق وشغف
قبل أشهر شارك زياد نجّار في مسرحيّة "عدو الشعب" للمخرج لوسيان بو رجيلي. مشاركة يعتبرها نجّار بمثابة عودته النهائية إلى التمثيل. كما قدّم عملًا فرديًا بعنوان "وعيتي"، وهو مشروعه الجامعي الذي جسّد فيه أربع شخصيات مختلفة على الخشبة. كذلك قدّم أمسية بعنوان "عذرنا يا وطن" قبل ذكرى الاستقلال، حيث ناقش مع ضيوفه كلمات "النشيد الوطني اللبناني" ومعانيها.
يلخص الممثل والكاتب والمخرج زياد نجّار تجربته بالقول: "الشغف هو ما يقودني في كلّ أعمالي. أريد تقديم نصوص صادقة ذات رسالة إنسانية، تحترم عقل الجمهور وتثير تفكيره، وفي الوقت نفسه تضحكه. وهذا ما سعيت إليه في "كذبة بالصينية"، وهذا ما سأواصل العمل عليه في مشاريعي المقبلة".