قبل أن يتمّم فجر الرابع عشر من شباط 2023 موعده مع عيد عشّاقه، اكتمل قمر مروان نجّار. أتمّ موعده مع الحياة. حوالى الواحدة والنصف صباحاً، انسكب عمره بعد غيبوبة لعشرة أيام، إثر معاناته من سرطان الرئة.
الكاتب بأحداثه وشخصياته يتآلف مع الموت قليلاً. ولعلّه يتدرّب عليه. يُدرك أنّ الحياة هي "السيناريست" الأكبر. بوعيه، وإرادته وتحدّيه، واجه مروان مرضه بالعلاج المناعي منذ أيلول 2022. شرب نخب السنة الجديدة في منزله مع أحبّائه، بحضور ورم تقلّص. فاعتقدوه ابتعد. ما إن مضت أيام حتى تدهورت الحالة، مع رغبة مروان في أن يبقي ضيفه الطارئ بعيداً من الإعلام ومشاهده. هو الذي صنع مشاهده في برامج، وإعلانات، ومسلسلات ومسرحيّات. ازدحمت بها حياته التي ملأها مطالعة واكتساباً. فبات موسوعة متنقّلة واقفة على ميم ونهم.
السطور التالية هي مراحل متفرّقة، رواها لنا ابنه الكاتب والمخرج زياد نجّار. حوّلناها إلى مشهديّات سيناريو في مسلسل مروان:
المشهد 1:
داخلي – لَيْليّ - منزل مروان في الحازمية
رنا، لمى وزياد أطفال... مروان الأب يلاعبهم ويروي لهم قصصاً. للّعبة غاية وللقصة مغزى. فتّح آذانهم ووعيهم على أعمال مسرحية موسيقية. حفظوها وردّدوها عن ظهر "حبّ". كما أحبّوا اللغة العربية من والدهم الضليع بها. يُمسرح قواعد نحوها وصرفها. فيستسهلها أبناؤه وتلامذته. يُلبس الحرف "كاراكتير" ويُخرجه من وكره ليّناً مبتسماً. يردّد مع "أستاذ مندور" في شارة العمل: "اللغة العربية جميلة شرط أن يبتسم المعلّم".
المشهد 2:
خارجيّ - ليليّ - شوارع بيروت
الأولاد يكبرون ورقعة الدم في البلاد تكبر. يقول زياد: "إننا محظوظون إنّو ما تيتّمنا ع بكير". فمروان كان مغامراً مخاطراً في الحرب. يقتنص هدوء القنّاص. يجتاز المعابر، ليقلّ صديقاً أو يقدّم خدمة. خطفته إحدى الجهات الحزبيّة. تدخّلت جهة أخرى وهدّدت لإخراجه، رغم أنّه لم يكن محسوباً على حزب أو عقيدة تؤطّر أفكاره.
المشهد 3:
داخليّ - ليليّ - مسرح البيكاديللي
عام 2000، تحضّر مروان لإعادة عرض مسرحيته "عريسين مدري من وين" على خشبة البيكاديللي. حريق التهم المبنى وأثاثه الأحمر. فاسودّت أكثر ذاكرة بيروت المتصدّعة. حجز مروان مسرحاً آخر. بُني ديكور جديد. هو يُواجه. فلا يختبئ خلف إصبع الحسرة. هذا أيضاً ما حصل عند احتراق مكتبه خلال "حرب التحرير" في سن الفيل. أسّس مكتباً آخر في الحازمية، قبل أن يعود مكتب سنّ الفيل إلى نشاطه ويستمرّ لما بعد عام 2010. كلّ مشكلة يراها مفتاحاً لفرصة جديدة طالما أنّ العقل يفكّر والقلب ينبض. قلبه أنذره عام 2000، وخضع لعملية جراحية ألزمته نظاماً غذائياً وامتناعاً عن التدخين. إلّا أنّ مخيّلته بقيت مشتعلة. فالكتابة وسيلته لمحاربة الروتين. يمسك بيد شخصياته ليحرّرها لا ليقمعها. فتُمسي "أقرب أصحابو" دون حساب لوقت أو راحة. "كنّا نفوت ننام ونوعى ونلاقيه مطرح ما تركناه: ورا مكتبه عم يكتب... طاقته ع الشغل تعادل مجهود 3 أشخاص". يستحضره زياد بحرقة "حتّى لو عاش 200 سنة ما بيكفّي، لأنو عندو بعد كتير". يشبّهه وهو في السبعين كخرّيج جامعيّ في العشرين بأحلام وأفكار سبّاقة. "وآخر 10 سنين ما انعطتلو المساحة. البلد والمجال قرّفوه. الخبث والروح الإلغائية حجّمته". زياد المقهور بلسم جرحَه حجمُ التعاطف والتقدير لمسيرة والده عند غيابه.

المشهد 4:
داخليّ - نهاريّ - طابق سفليّ في مبنى قرب كازينو لبنان
هنا، صوّر الجزء الثاني من مسلسل "من أحلى بيوت راس بيروت". المساحة الفارغة تحوّلت استوديو ليكون بيت "ماما نجوى". هو ساحة صراع في العمل وشاهد على خيبات وآمال مراهقين، عاين مروان "حبوب" شبابهم بمجالسته أبناءه وأصدقاءهم. استمع، بحث، حلّل وكتب عنهم بأسلوبه. هو أراد دائماً الحفاظ على هويّته الأدبية في الحوار. لكنّه متجدّد متكيّف، يطوّر ويتطوّر. في السنوات الأخيرة، كان يُطلع ابنَه على حلقات مسلسلاته، لينكّهها زياد ككاتب بروح حديثة ابنة العصر. والده لا يقف عند زمنه، يمدّ يده لزمن أولاده. لا يتدخّل بقراراتهم ويحترمها. لكنّه بعين ثاقبة، وعبارة حازمة ولاذعة، ملك التفاصيل. وكما كان يقول "ربح عداواته بعرق جبينه". هو لا يهادن، لا يجامل "حتّى عندما لا يعجبه الطبق في مطعم".
المشهد 5:
داخليّ - ليليّ - بيت مروان في الحازمية
في أدراج منزله، في حاسوبه وبين صوره: مسلسل لم يُكمل كتابته، معالجات درامية لأفكار كثيرة، وخمسة أعمال تلفزيونية كتبها مروان في السنوات الماضية. باعها لشركات إنتاج، لكنّها لم تُصوَّر. يؤكد زياد "رح تكون شغلتي وعملتي إنّي طلّع كل شي تاركو ع الضوّ بتصرّف مني ومن فريق عمل بالكتابة. وهو أعطاني مباركتو". أوّل الغيث سيكون "ليش لأ". حقوق المسلسل اشتراها المنتج زياد الشويري من مروان منذ سنوات. اليوم، بادر الشويري لإنهاضه تكريماً لاسمه. رنا ولمى وزياد سيسعون - كلّ حسب قدرته - لإبقاء هذا الاسم أخضر.
هذه الأعمال تُضاف إلى أرشيفه المحفوظ المكتوب، المرئيّ والمسموع (قدر ما تسمح تكنولوجيا كل عصر). يُستثنى منه ما احترق مع حريق مكتبه، وما طلبه مروان من إدارة تلفزيون لبنان لكنّها لم تزوّده به. أمّا بالنسبة إلى كتاب سيرته "مفارق عمر، مفارقات سيرة"، يؤمل في أن تكون الملاحظات التي تركها كافيةً لإكمال صفحات عشرين كتبها مروان. أرسلها إلى زياد قبل ساعات معدودة من دخوله الغيبوبة. "كانت آخر رسالة بيناتنا. كأنّو عم يفهّمني: لا تهمله".

المشهد 6:
خارجيّ - نهاريّ - بشمزين، الكورة
المشاهد شارفت على الانتهاء ومسلسله لا ينتهي... كلّ قارئ هو مخرج لهذه المشاهد شرط أن يكون أميناً على المسلسل وبطله مروان الذي حمل مشاهده الكثيرة في نعشه. جمعها كما جمع لوعة محبّيه الذين خبّأوه بعيونهم. أغلقوا جفونهم لئلا يتسلّل منها مع الدموع. سار قبلهم في الطليعة كما عادته. وصل إلى بشمزين. ربما أربكته أو غازلته رائحة زهر الليمون المتفتّح في بساتين الكورة. إلى جانبه، رفيقة عمره فريال فرنيني. مشت على كعب لوعتها. سلّمته بيدها إلى أمّه سلوى زيدان ووالده جورج اللذين حُرم منهما وهو شاب ثلاثينيّ. وإخوة ثلاثة كان فقدانهم وجعه الأكبر. صورته عُلّقت على جدار الكنيسة. تأمّلتها العائلة وهي تردّد كلماته في شارة "لمحة حبّ" (غنّتها نبيهة يزبك ولحّنها كمال سيقلي): "حتى لو تسكت ع طول، نظرة صغيرة رح بتخونك... لمحة حبّ، لمحة حبّ اللي بعيونك".