مي الصايغ

ارتدادات الأزمة الاقتصادية والمالية... أمننا المائي مُهدّد

28 شباط 2020

03 : 55

جانب من جلسة الحوار في "معهد عصام فارس" في الجامعة الأميركية
التحدّيات المُتعلّقة بقدرة مؤسّسات المياه المحليّة والمَصلحة الوطنيّة لنهر اللّيطاني على تلبية حاجات المُجتمعات الخاضعة لها بالمياه لم تتضاعف فقط في ظلّ الأزمة المالية والاقتصادية التي تقضُّ مضجع اللبنانيين، بل باتت تُشكّل تهديداً وجودياً لعمل هذه المؤسسات واستمراريتها في تأمين خدماتها بشكل خاص وللأمن المائي في لبنان بشكل عام.

شكّلت الأزمة المالية والاقتصادية محور ندوة "إدارة المياه خلال الأزمات" الإثنين الفائت في "معهد عصام فارس للسياسات العامّة والشؤون الدوليّة" في AUB بالتعاون مع منظّمة "Oxfam"، أدارها مدير برنامج تغيّر المناخ والبيئة في المعهد د. نديم فرج الله، واستُعرضت خلالها ارتدادات الأزمة على مؤسسات المياه. البداية من عائدات الجباية، إذ يُشير مدير عام "مؤسسة مياه البقاع" رزق رزق إلى انخفاض معدل الجباية إلى ما بين 30 و35 % عن المعدل السنوي، فضلاً عن الطلب الى مؤسسات المياه "وقف أي مشروع استثماري"، ضمن تقشف فرضته الموازنة العامة للعام 2020. في الجنوب، "انخفض معدل الجباية في نهاية 2019 الى 50% بالمقارنة مع 70 % في 2018"، حسب مدير عام مؤسسة مياه لبنان الجنوبي د. وسيم ضاهر.

بدوره، يوضح مدير عام "مؤسسة مياه لبنان الشمالي" خالد عبيد أنّ "المؤسسة تحصّل 70% من الجباية في الفصلين الثالث والرابع من السنة. والأزمة جاءت حين كنا بصدد تحصيل وارداتنا فلم نحصّل سوى 25 % ". انخفاض الجباية انسحب على "مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان"، التي يُشير مديرها العام جان جبران الى أنّها أقل 23 % عن العام الماضي. ووسط هذه الظروف، يُجمع المدراء العامون على عدم أخلاقية قطع الخدمة عن المشتركين الذين لم يسددوا الرسوم، وفرض غرامات مالية على سارقي المياه، وسط عدم حماسة القوى الامنية لمؤازرتهم.

لا مناقصات

في موازاة ذلك، أدى تدهور قيمة الليرة اللبنانية إلى انخفاض القدرة الشرائية لمؤسسات المياه. ويقول ضاهر: "لم نعد قادرين على الدخول بمناقصات، معاملاتنا تستغرق ما بين 3 أسابيع الى أشهر، وسعر صرف الدولار سيختلف بين الإعلان عن المناقصة وانجازها". ووفق قانون المحاسبة العمومية يُمنع على المؤسسات العامة الدفع بالدولار إلاّ بشروط محددة، ويقول عبيد: "في احدى المناقصات اشترط المتعهد ان يُفتح الحساب باليورو لكن ندفع له بالليرة اللبنانية، اليوم يرفض ذلك. المعضلة انّ دفع الفرق حسب دفتر الشروط لا يُطبّق إلاّ اذا تغير سعر الصرف الرسمي للدولار، الذي لا يزال بحدود 1500 ليرة".

وفي وقت أوقف المصرف المركزي عقداً بالدولار لجرّ مياه الأولي، حسب جبران، يقول مدير عام المَصلحة الوطنيّة لنهر اللّيطاني د. سامي علويه: "لم يعد أي متعهّد يتقدّم لإجراء مناقصة او استدراج عروض".

أمّا في الشمال، فيلفت عبيد إلى أنّ "موظفي المؤسسة يترددون إلى المصارف مرات عدة أسبوعياً لقبض رواتبهم، ما قد يعرقل عمل المؤسسة"، ويضطر الى "إعطاء سلفات لتلبية المستلزمات الضرورية.

في ضوء هذه التحدّيات، ما هي الخطوات التي ستقوم بها المؤسسات؟ يقول ضاهر: "سنكون مرغمين على تخفيض الرواتب وكلفة الخدمة لنصمد حتى نهاية السنة"، مُتطلّعاً إلى إطلاق مشروع "حيرام" للإدارة الذكية. من جهته، قام عبيد بتخفيض 25% من المصاريف للمستخدمين، وملحقات الرواتب، وتقنين التغذية لتوفير نفقات الكهرباء. أمّا في بيروت وجبل لبنان، فيشير جبران إلى قيام المؤسسة بتسهيلات تمكّن المشترك من دفع رسم خدمة المياه السنوي على 4 دفعات، وتخفيض بدل تأسيس الاشتراكات الجديدة للأبنية الموصولة بشبكات المياه بالعيار (60%) ولاشتراكات المياه بالعداد(78%)، وتأجيل بعض مشاريع الخطة الخمسية.

"النقص"... والمياومون

وفيما يقوم رزق بتغطية النقص في عدد الموظفين عبر المياومين، ويضطر الى الطلب اليهم ممارسة جهد اكبر براتب انخفضت قيمته 40%، ومن دون حوافز، يسعى علويه لضمان عدم افشال المناقصات العمومية، وعدم الاقتطاع من رواتب المستخدمين لحماية أمنهم الاجتماعي، مع الحفاظ "على خدمة الأشخاص المرتبطين بنطاق عملنا".

فضلاً عن ذلك، تقوم مصلحة الليطاني بالتعاون مع وزارة الطاقة والمياه بزراعة القمح الطري لضمان الأمن الغذائي، وتكثيف التجارب الزراعية وتحويل محاصيل الزيتون والزيت الى الجيش اللبناني، ومواصلة رفع الاعتداءات عن النهر. وفي وقت يترتّب على مؤسسات المياه مبالغ طائلة لمصلحة مؤسسة كهرباء لبنان سنوياً، تؤمن "مصلحة الليطاني 7% من حاجة لبنان من الطاقة لمؤسسة الكهرباء". وعن دعم المُجتمع الدُولي لمؤسّسات المياه المحليّة، يقول رزق: "الدول المانحة تساعدنا، لكن لا تستطيع دفع رواتب موظفينا التي تثقل كاهلنا بسبب تراجع الجباية"، فيما ينوّه ضاهر وعبيد بدعم المانحين للبنى التحتية وتخفيفهم من حدة أزمة النزوح السوري.

"اللائحة الوهمية" ولكن ماذا عن مشاريع "سيدر" ؟

يُجمع المدراء العامون على عدم استشارتهم واطلاعهم عليها، ووصفها بـ "اللائحة الوهمية". ويذكّر ضاهر بأنّ "إسرائيل عندما يبست حقولها في التسعينات لجأت إلى تكرير مياه الصرف الصحي للري، فلنستفد من مياه الصرف الصحي قبل السدود". غير أنّ مؤسسات المياه في البقاع والشمال والجنوب تجمع على عدم جهوزيتها لاستلام محطات الصرف الصحي من مجلس الانماء والإعمار وتشغيلها.

أمام هذا الواقع، يقترح رئيس فريق اشراك القطاع الخاص في "مشروع المياه في لبنان" صلاح صليبا، "ضرورة وضع Emergency preparedness plan لاستقطاب الجهات المانحة، قوامها الشراكة مع القطاع الخاص لتأمين الخدمة لفترة معينة بتمويل من المانحين"، لتفادي العودة إلى نقطة الصفر بإدارة الأزمات، مثلما فعلنا من حرب تموز مروراً بالنزوح السوري إلى جفاف 2014. وفي وقت تسعى مؤسسات المياه الى بناء الثقة مع المواطنين عبر مراكز اتصال وزيادة تفاعلها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتخصيص مياه بيروت وجبل لبنان على سبيل المثال الرقم 1713 لمتابعة أي شكوى، يبقى طموحها الوصول الى مؤسسات مستدامة، وتقديم خدمة المياه 24 ساعة بعيد المنال، إذ بات وجودها وأمننا المائي والاجتماعي بفعل الأزمة وغياب الحوكمة على المحك.

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.