"إن لم يُدهشني الشعر الذي أتنشّقه أوّلا لا أستطيع كتابته"، هكذا استهلت الشاعرة ندى الحاج حديثها إلى "نداء الوطن" قائلة إنها تكتب وليدة تجربة حيّة، فلا تكون مجرّد تجربة حياتية فقط بل روحية قويّة. إلى ذلك يجب أن نشعر دائمًا بالدهشة، لأن الطفولة في داخلنا إذا قُمعت أو إضمحلّت، ضعُفت الحياة فينا".
وما الحبّ وفق الحاج، سوى الحياة. والمقصود به، ليس الرابط بين الرجل والمرأة فقط، بل حالة الحب الدائمة أو المتأرجحة، بغض النظر عن العلاقة المتبادلة المتعارف عليها مع الشخص الآخر. لافتة إلى عيشها التجربة الصوفية عن غير قصد، نتيجة حياتها وشخصيتها وظروفها التي كوّنت مجتمعة "ذاك الكائن السابح في هذا العالم"، من هنا يأخذ الحب بُعدًا كونيًا لديها.إستغرقت كتابة "عابر الدهشة" الذي يحوي 51 قصيدة إضافة إلى المقدّمة، سنتين أو أكثر، مرّت في خلالها الحاج بمراحل مختلفة، مكثّفة وقويّة حيناً وأقلّ قوّة حيناً آخر، لذا يتضمّن شذرات، وقصائد طويلة وأخرى قصيرة، كما أسئلة متبادلة بين رجل وامرأة عن لسانها. لافتة إلى أن الشعر ليس واقعاً منقولاً بحرفيته، لأنه يجب توافر الخيال الذي يؤدي دوراً كبيراً في مشاعرها الداخلية. كما لا يعني أن الخيال غير حقيقي، لأن ثمة فارقاً بين الواقع والحقيقة. وشرحت ذلك بالقول: "يصف الأول الشيء شكلاً ومضمونًا، فيما يمكن أن تتخطى الحقيقة هذا الواقع المحسوس والمرئي، مثل الإيمان. فمن يؤمن بالله والقديسين والأنبياء يتشفّع لهم من دون رؤيتهم. أو من يملك فلفسة معيّنة مثلا يبني عليها نظرية تلحق بها أجيال، وهو لا يراها بشكل محسوس بل تكون عبارة عن دراسة. لهذا السبب يتخطى شعري هذا الواقع الذي قد يتعلق شعراء آخرون بتفاصيل تفاصيله". مشيرة إلى إن الواقع الوحيد الذي يجعلها تتخطى ذاتها هو الطبيعة، فتشعر رغم واقعيّتها، بنفس الشجرة والأرض وكل وردة وندى، ما يأخذها إلى بُعد أكبر، يُترجم رموزًا في شعرها. لذا استشهدت ببعضٍ من قصائد ابن عربي، ابن الرومي، أنسي الحاج، رينيه شار، والمختاري، في كتابها، كونها شعرت بأن ثمة قصائد بمثابة صدى لهذه الجمل.
وعن موقفها من ترجمة قصائدها إلى الفرنسية والإنكليزية والإسبانية والألمانية حيث أصبحت عابرة للقارات، قالت:" لقد تُرجم كتابي "أثواب العشق" كاملاً إلى اللغة الإيطالية من قبل المستشرقة "فالنتينا كولومبو" التي تفاعلت كإمرأة مع الكتاب، لكنني لا أستطيع الحكم على اللغة الإيطالية التي لا أجيد قراءتها. أرغب في ترجمة كتابي هذا إلى لغات عدّة كونه عبوري الحقيقي، وولادتي الجديدة على الصعد كافة. ومن سيقرأ الكتاب سيفهم رسالتي القويّة الواضحة في المقدّمة، حيث أشعر بتقديسي لجوهر الحياة".وعن منحها الشاعر صفة ألوهية الخلق، قالت:" لا يملك الشعراء كلهم هذا الإحساس. أعيش روحانيتي بعمق لذا ترون شعري مغموساً بهذا الجو، يدور حول هذه الدائرة، خصوصاً أن تواصلي العمودي قويّ، وأنا أؤمن فيه. لو يعرف كل إنسان قيمة ذرة الألوهة في داخله! يجب أن يصغي إليها، يشعر فيها، يراها، ويمنحها إهتماما ويكرّس لها وقتاً لأنها مهمّة. هكذا أفهم دوري كإنسان. صودف أنني أملك القلم الذي أعبّر من خلاله".
تزامن إستلامك نسخة الكتاب مع ذكرى رحيل الشاعر أنسي الحاج، فماذا تقولين له:" أنا فرحة لهذه الصدفة، فهي علامة أخرى على تواجده معي، في داخلي، يرافقني ونتواصل معاً. أنا على يقين أن الموت ليس عدماً، بل هو عبور إلى حياة أخرى. أنسي عبر، صحيح أنني لا أستطيع ملامسة يده لكنني أراه في الحلم والذكريات وفي كل كلمة كتبها ولا تزال حيّة. أتمنى أن يقدّرني الله على إعادة نشر كتبه كلها، بدءاً من أعماله الشعرية النافذة الستّة، بعدها "كلمات" بأجزائها الثلاثة، بعدها "خواتم1 و2". إلى ذلك أغربل حالياً "الخواتم" الأربعة وأختار منها، لا أعلم كم جزءًا ستكون، إذ عددها كثير، فضلا عن توافر كتابات راهنة جدًا من حيث الموضوع والحال السياسية والإجتماعية لن أنشرها كلها". وستصدر كلها عن دار المتوسط أيضًا. وأضافت:" أؤمن أنه سيكون إلى جانبي في الإختيار، كما حصل في ذكراه الثانية حين أصدرت كتابه " كان هذا سهواً"، حينها عملت على مسوّدته ولم أغيّر شيئًا، لكنّ الشحنة العاطفية الكبيرة جداً التي شعرت بها وقتذاك إستنفدت مني طاقة حتى أصدرت الكتاب".وردا على سؤال عمّا تغيّر في شعرها بعد الفراق، قالت:"غياب أي إنسان نحبّه يترك بصمة وأثراً، ويفتح نوافذ أخرى، شرط أن نؤمن بأن الغياب جسدي فقط. أصبح شعوري مكثفاً أكثر، وأصبح للغتي بعد مختلف ونبض آخر. فمن يقرأ كتابي، سيجد أسلوبي وتفكيري وجوّي ذاته إنما للغتي نفس جديد".لقد لحّنت المؤلفة الموسيقية هبة قواس عدداً من قصائدك، مثل "لأنني أحيا"، "أشممت عطري"، "أرضى"، "نجوم الدني بعينيك" هل من تعاون جديد؟ جاوبت: "سجّلت هبة قصيدة "في بلادي" لألبومها الذي كان يُفترض إطلاقه منذ عام لكنه تأجل بسبب ظروف معيّنة. لقد لحّنت لي قصائد كثيرة لكنها لم تنشرها كلها لأن التسجيل مكلف".
من الكتاب
انكِشافٌ
إذ أتاكَ القدَرُ في لعبةِ الظلال
إبحثْ عن الضوء
وإذ أتاكَ اليقين، أَغمِضْ عينيكَ
وأَصْغِ إلى همساتِهِ فيكَ
أُنقشْها في قلبكَ، وهي ترويكَ
حين تسامرُ نفْسكَ، لا تَقمعْها
وإنْ تلتقِ بروحكَ، أَطِلقْها
أحبِبْ، ولا تتردَّدْ
في الحبِ انكِشافٌ، وفي المطلَقِ حُبور
رَدِّدْ، رَدِّدْ، ردِّدْ
في الترديدِ أمواجٌ تلفُّ الكونَ بوَحدةِ الحبِّ.