مجيد مطر

مسلم - مسيحي

4 دقائق للقراءة

الأكثر إفادة للدّين أن يبقى في الحيّز الفردي، يُمارَسُ كحاجةٍ روحية، في إطار العلاقة الخاصة بين المخلوق وربّه، التي تعطيه ما يطلبه بالإرادة والاقتناع، وبالقدر الذي يسمح للطمأنينة أن تسود بين عقله وقلبه، وبين ماديته وروحانيته.

وكلّ إخراج لتلك العلاقة إلى الفضاء العام، قد يستولدُ التنافر بين القيم والمصالح، القيم التي تنمو ضمن الحرية الدينية، والمصالح التي تعبّر عن نفسها بلغة التحريض التي تخلط ما هو مدنّس بالمقدّس، فينتج عنها مزيجٌ ثقيلٌ من الشرور التي قد تتحول إلى نيرانٍ حارقةٍ للجميع.

لقد استشعر كارل ماركس في «المسألة اليهودية» خطورة ربط الدّين بالقومية أو بالمواطنة، فهذا السّلوك سيجعل الفرد غريباً في موطنه حيث ولد وترعرع، لذا طالب يهود العالم بألا يفكروا انعزالياً فينعزلوا مكانياً، بل أن يندمجوا وليكن اندماجهم وسيلة نضالهم داخل بلدانهم. وقد قصد في هذا، الانحياز لمنطق المواطنة والتفكير العلماني داخل الدولة: أيّ ليتصرف اليهودي الألماني على أنّه ألماني، واليهودي الفرنسي على أنّه فرنسي قبل أن يكون يهودياً. استطراداً، «حلف الأقليات» يسعى لتقديم «المذهب» على المواطنة.

وبعد حروب دينية دامية في أوروبا، توصل الأوروبيون إلى استحالة فرض الدّين على أحد، فكانت البداية من مقولة «الشعوب على دين ملوكها» أي لا تتدخل في الشأن الدّيني، وكل شعب له حرية المعتقد، وقد تدرّجوا في هذا حتى استطاعوا بناء الهوية الوطنية المدنية، وتكريس العلمانية تجنباً للدخول في حروب دينية، الرابح فيها خاسر، لاستحالة الانتصار على الأفكار الكامنة في العقل الضمير.

ولم يكن مفهوم العلمانية في الغرب واحداً، فهناك على سبيل المثال، فرقٌ بين العلمانية الأميركية والعلمانية الفرنسية، حيث يختلفان في المنطلقات ويلتقيان في الأهداف. العلمانية الفرنسية جاءت رداً على «المؤسسة الدينية» فكانت لحماية الدولة من الدّين، أما العلمانية الأميركية، فجاءت لتحمي الدّين من الدولة، وكلتا العلمانيتين، قد عززتا من حضور الفرد، وحقّقتا حريةً دينية، ومواطنةً حقة في ظلّ حكم القانون الذي يخضع له الحاكم والمحكوم. وبهذا تحوّلت تلك الدول الى ديمقراطيات عريقة، تُصان فيها الحقوق والواجبات.

مدعاة هذا الكلام، موضوع «التوقيت الصيفي» الذي شغل اللبنانيين! وشكّل مسرحاً جديداً لإعادة «التمثيلية» نفسها التي يجيدها البعض في لبنان. فالتخبّط لدى السّلطة قد تحوّل الى مادة تحريضية متبادلة، ليتم نقل معاناة اللبنانيين المعيشية إلى مكان آخر، فانزلق كثيرون منهم، على نحوٍ مستغرب، إلى ذلك الفخ الذي نُصب لهم، فارتموا مجدداً في أحضان المتسببين في الأزمة الاقتصادية الخانقة. وهذا بحدّ ذاته يشكّل تسليماً بأن السّياسة شأن خاص بالزعامات الطائفية توجّهها في الاتجاه الذي تريد، وما على الأتباع سوى الانصياع والطاعة وكأنهم مسرنمون، ومسلوبو الإرادة.

في كثير من الأوقات قد تتغيّر اللعبة لكنّ اللاعبين هم أنفسهم، أو يتغيّر اللاعبون وتبقى اللعبة، أمّا في لبنان فلا اللعبة ولا اللاعبون يتغيّرون، بل يستمرون في السّيطرة على مجريات الأحداث. ومن العوامل التي تساهم في خلق هذا الواقع، الطائفية المتجذرة في أداء السّاسة الذين يحسنون استغلالها، كأداةٍ مستمرّة الحضور، يلجأون اليها دائماً لاستنهاض شعبية ما، قد انفضّت عنهم أو ذبلت نتيجة فشلهم في الحكم والإدارة. فلا وسيلة أمامهم سوى بث الفرقة بين الشعب، عن سابق تصوّر وتصميم مع علمهم، وبالتجربة، أنّ اللغة الطائفية والمذهبية على صلةٍ دائمةٍ بالنزاعات الأهلية وتشكّل مادتها الأولى.

فالحروب بالسلاح لها ضحاياها، والحروب بالفتنة والتحريض لها ضحاياها، خصوصاً عند انفلات الغرائز والأنانيات، من دون تبصرٍ لحدود المسموح والمرفوض.

معروف أنّ الدول المتنوعة مهيّأة أكثر من غيرها للوقوع في صراعات على خلفيات دينية أو عرقية، خصوصاً اذا كان النظام لا يتيح تحقيق المطالب بطرقٍ سلمية، فالحسنة التي تكاد تكون الوحيدة في لبنان، هي أن اتفاق الطائف، بخلاف ما يدّعون، يشكل صيغة حكم مناسبة من خلال التوازنات التي فرضها بين مختلف السلطات الدستورية محققاً لجميع المكوّنات المكاسب المناسبة وبالنص.

وكلّ هيمنة من خارج الدستور هي هيمنة زائلة ووقتية، وإن جعلت لبنان دولةً هشةً بجميع المقاييس، إنما يبقى الحلُّ الأمثل تطبيق الطائف بحذافيره. فهو اتفاق قد قلّل فرص وقوع حرب أهلية، إنما ينقصه رجال دولة يطبّقونه، ويقفون في وجه الانتهازيين، الذين يحرّضون على الفتنة... وما أكثرهم.