جورج بوعبدو

"هردبشت" لمحمد دايخ في الصالات اليوم... واقعية ضواحي بيروت الفجّة

4 دقائق للقراءة

بواقعيةٍ كبيرة ومن دون مواربة أو تجميل ينقل إلينا فيلم "هردبشت" بيئة ضواحي بيروت الفقيرة مع كلّ ما تتضمنه من مشاكل واشكاليات وتعقيدات هي صنيعة المحيط الذي يتآكله الفساد والفقر والمخدرات. الفيلم هو للمخرج وكاتب السيناريو محمد دايخ - وهو أول فيلم روائي طويل له - من إنتاج شركة "فينيسيا" ويتناول حياة سكان الأحياء الفقيرة أما التمثيل فلحسين قاووق وحسين دايخ، فضلاً عن ممثلين كبار ومحترفين كرندة كعدي وغبريال يمّين وفؤاد يمّين وألكسندرا قهوجي.



هي قصة اعتيادية كمثل تلك التي نشهدها كل يوم في حيّ من هذا النوع: عائلة مؤلفة من "إم حسين" وأبنائها الثلاثة. أصغر الشبّان الثلاثة ملتزم دينياً، خلافاً لشقيقيه اللذين يروّجان المخدرات. يضغط تاجرا المخدرات على أخيهما الأصغر للعمل معهما لاستغلال سمعته الحسنة غطاء لتجارتهم المشبوهة.

يعتبر مخرج الفيلم وكاتب السيناريو محمد دايخ أنّ الفيلم يحاكي بيئة نشأ فيها: "تشبه أمي الى حدّ ما تلك التي تمثل دورها رندة كعدي، وللاخوة في الفيلم ملامح تشبه إخوتي لكن طبعاً بعيداً من المخدرات".

تخصّص دايخ في كتابة واخراج المسرحيات وعروض الـ"ستاند آب كوميدي" والأفلام القصيرة قبل أن يذيع صيته في برنامجيه الكوميديين على التلفزيون "شو الوضع" و"تعا قلو بيزعل". "كنا نعتزم تصوير الفيلم في الضاحية الجنوبية لبيروت، لكنّنا اخترنا الاوزاعي في نهاية المطاف، ما حملني على تغيير تركيبة الشخصيات وبعض التفاصيل". أما لماذا هذا العنوان فيقول: "لأنّه يعكس واقع تهميش المنطقة والفوضى السائدة فيها والتي يصعب تنظيمها. نقلنا الواقع كمرآة، وهو طبعاً مؤلم والبعض قد لا يتقبله مفضلاً العيش في أوهام. هناك واقع حقيقيّ ولكن هناك أيضاً من يريد طمسه وعدم اخراجه الى العلن".

ويشكل الفيلم مفترقاً في مسيرة بطله حسين قاووق (يؤدي دور حسين) خصوصاً أنه يبتعد للمرة الأولى عن الأدوار الكوميدية وهو - أسوة بمخرج الفيلم وطاقمه تماماً - يجد أن الفيلم "يجسّد الحياة الواقعية بكلّ تفاصيلها، كاللهجة والملابس والشخصيات".

وبدوره يشير حسين دايخ - (يؤدي دور ابو الفضل) - الى انّ الفيلم "شاعري وشوارعي، فهو ليس آتياً من المريخ بل من منطقة موجودة وليست من نسج الخيال".

أما محمد عبدو (يؤدي دور محمّد أو حمّودي)، الشقيق الاصغر المتدين لحسين وأبو الفضل، فيثني على ارتباط الممثلين الوثيق بالبيئة التي يمثلونها ويقول: "كفريق عمل عشنا في هذه الاجواء ونعرف أوجاع سكان هذه الاماكن، وكيف يتكلمون والفيلم مختلف فنياً في شخصياته وحواراته عن معظم الافلام اللبنانية، ويطرح قضايا جريئة جداً اجتماعياً".

ولا يسع المرء مشاهدة الفيلم من دون الثناء على تألّق القديرة رندة كعدي التي جسّدت بأمانة فائقة شخصية إم حسين (والدة الشبّان الثلاثة) البعيدة كل البعد عن بيئتها. تعلق كعدي أن هؤلاء الشبّان يستمدّون قوتهم من والدتهم وتوضح: "هم أبناء بيئة متواضعة، علماً أنني أرفض تبرير الانحراف والقتل أو السرقة وتعاطي المخدرات بالعوز المادي".

وتبدي كعدي إعجابها بالنص كونه غير مباشر ويتضمّن رسائل مغلّفة في اطار ساخر لكنه هادف. "قصة الفيلم محبوكة جيداً، واختيار الممثلين موفّق وإنتاجه كريم، وإخراجه بلمسات ابداعية"، تقول.



الكساندرا قهوجي

غبريال يمين

حسين قاووق

رندة كعدي

ملصق الفيلم





براعة اليمّينَيْن

يضفي حضور الممثل الكبير غبريال يمّين بدور طلال، (تاجر خردة ومخدرات)، بأدائه الواقعي المتقن والمميّز، طابعاً احترافياً على الفيلم. ناهيك عن مشاركة فؤاد يمّين بشخصية ميكانيكي السيارات المعلّم طانيوس، فكان لمساهمة اليمينَيْن أثر طيب من حيث وقع الفيلم على جمهور مفتون بهما أساساً. ويؤكد فؤاد يمين أنّ "هردبشت من الافلام القليلة التي تنطلق من حقيقة معينة مقدّماً الصورة كما هي من دون تلميع او تنظيف وبلا كذب متناولاً بيئة مهمَّشة إعلامياً وفنياً، بخباياها ويومياتها وخصائصها الإيجابية والسلبية".





تصوير علي لمع


وتؤدي ألكسندرا قهوجي دور زكية التي تلجأ إلى الدعارة. تعلق قهوجي أن الفيلم "فتح باباً غير تقليدي لم تفتحه السينما اللبنانية خصوصاً أنه يتناول طائفة بذاتها ومجتمعاً محافظاً ومواضيع غير مقبولة من البعض".

باختصار هو فيلم خارج عن التقليدي وجريء الى حدّ بعيد ولا شكّ لدينا بأنه سيتلقى كماً كبيراً من الاتهامات والشتائم من البعض الذي لن يتقبل نقل الواقع كما هو، ومن الثناء ممّن يقدّرون العمل الاحترافي ودور السينما في نقل وجع الناس.