مجيد مطر

صواريخ فيدرالية

4 دقائق للقراءة

إذا كان «حزب الله» يعرفُ مسبقاً بنية إطلاق الصواريخ قبل إطلاقها، فتلك مصيبة، وإذا كان لا يعرف فالمصيبة أعظم وأكثر خطورة، لكون الحزب المسيطر على أرض الجنوب، تتوفّر له الشروط والأدوات جميعها التي تمكّنه من معرفة الشاردة والواردة هناك، وهو يحظى بثقة أبناء المنطقة بنسب وازنة، وللموضوعية، إنه يملك يقظة عالية تجنّبه منزلقات الصدف الأمنية والعسكرية.

فهو متواجد على الأرض بقوة، والفصائل الأخرى التي تملك الإمكانات لتنفيذ أعمال مشابهة، تربطه بها علاقات تنسيق وتخطيط، وتجانس في الرؤى والأهداف، وعملياً لا تملك الصلاحيات للتصرّف منفردة في مثل أحوال كهذه، التفرّد غير المحسوب فيها، قد يشتعل حروباً إقليمية، ما بعدها ليس كما قبلها. والأكثر من ذلك، لإطلاق الصواريخ وظيفة لها محدّداتها الإقليمية، من الصعب أن تحصل من باب العشوائية أو الانفعال، فهي لا بدّ وأن تكون في سياق ما يسمّى بـ»وحدة الساحات» التي يتحدّث عنها محور الممانعة، باعتبارها واقعاً مسلّماً به! خصوصاً أن الوضع الميداني العسكري في الجنوب بعد 1701 يشهد حالة من وقف الأعمال الحربية، لا وقفاً كلياً لإطلاق النار. وفي مثل هذا الوضع يصحُّ هذا التساؤل الوجودي: هل هذه الصواريخ قد أطلقت عن هوى وعبث، أم هي وحي يوحى؟

فقد نقلت وسائل إعلام لبنانية ودولية عن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي قوله، الذي يؤكّد من خلاله، أن التحقيق الذي أجراه الجيش اللبناني يشير الى أن منفذي عملية إطلاق الصواريخ على إسرائيل، ليسوا من اللبنانيين. وهذا التصريح يرتّب مسؤوليات على الدولة اللبنانية تجاه شعبها المنهك على الصعد كافة، وتجاه التزاماتها الدولية المتمثلة في احترامها القرارات الدولية التي وُضعت في الأصل لحماية لبنان وصيانة سيادته. وعليه لا يكفي أن تدافع الدولة عن سمعتها، بل يجب أن يترافق ذلك مع خطوات جدية، تمنع جرّ لبنان الى حرب هو بغنى عنها، وهو يعاني ما يعانيه من أزمات وويلات معيشية.

عملياً، إن تلك الصواريخ العابرة للسيادة التي أُطلقت من الجنوب، لا يمكن التعامل معها من الناحية السياسية، وإن كانت بطبيعتها لا تستبعد من الميدان السياسي، بل يجب أن تعالج من ناحية القانون بمعناه الواسع، أي الدستور والنظام العام. فمنطق الدولة يتعامل مع الحدث السياسي ومع ما هو كائن، انطلاقاً ممّا يجب أن يكون، بعبارة أخرى، عندما يتمّ تجاوز السيادة، لا بدّ أن تتصرّف هذه الدولة المنتهكة سيادتها، انطلاقاً من وظيفتها المرتبطة أصلاً بشكلها وبتنوّع تركيبتها السكانية. ولبنان كما هو معروف دولة ذات سيادة، متنوّعة سكانياً، وموحّدة الشكل، تعبر عن ذلك من خلال سلطات مركزية، الدستور نفسه يحدّد لها شكلها ومحتواها.

وأبسط تعريف للدولة المركزية الموحّدة يؤكّد أن كلّ مظاهر السيادة الداخلية والخارجية حكر على سلطاتها التنفيذية والبرلمانية، دون مشاركة من أية مؤسسات أخرى. وقد جاء في مقدمة الدستور «أن لبنان وطن سيّد حرّ مستقلّ، وطن نهائي لجميع أبنائه، واحد أرضاً وشعباً ومؤسسات في حدوده المنصوص عنها في هذا الدستور والمعترف بها دولياً».

وقد نصّ الدستور في المادة 65 الفقرة 5 منه على مجموعة مواضيع أساسية تحتاج الى موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدّد في مرسوم تشكيلها. ومن أهم هذه المواضيع مسألة إعلان حالة السلم والحرب. ويدل هنا شرط توافر الثلثين على توافقية لازمة، تشدّد على وحدة الدولة ومصالح شعبها منعاً للتفرّد والطغيان السياسي أو الطائفي من قبل أحد من مكوّنات الشعب اللبناني.

ومن أهم ما أبدعته الديمقراطية البريطانية هذا المبدأ الذي يقول: «إن ما يهمّ الجميع يجب أن يتمّ بموافقة الجميع». ولا يوجد في هذا الصدد، أهم من موضوع الحرب والسلم، لما له من تأثير وجودي في مصائر الشعوب. وكلّ تفرد في القرارات الكبرى لا يمكن فهمه سوى أنه مسّ بمركزية الدولة ووحدتها.

فإلى حين النظر بطبيعة النظام اللبناني وشكل الدولة، لا بدّ من التمسّك بالدستور اللبناني، والدعوة الى تطبيق اتفاق الطائف بحسن نية وجدية، فقرة تأخذ برتبة فقرة، وإلا فسيبقى التماسك الداخلي معرّضاً للنكسات، ما قد يضع الوحدة الوطنية على المحكّ، وهذا ما يجب رفضه. والتأكيد على وحدة الدولة يأتي من رفض تلك الصواريخ.

يقول العلامة الألماني أهرينغ: إن دولة بلا قوة مادية تمكّنها من فرض النظام في المجتمع، تصبح تناقضاً ذاتياً.