على مدى عقود، عانت دول شرق أوسطيّة من العراق وسوريا ومصر إلى اليمن والسودان وليبيا، انقلابات عسكرية نُفِّذت باسم الخلاص الوطني، قادها ضباط من الجيش لديهم حلم الوصول إلى السلطة.
في السودان، من العام 1957 حتى اليوم، هناك 14 محاولة انقلاب قام بها ضباط في الجيش، منها 4 محاولات خلال الأربع سنوات الماضية، فهناك نزعة لدى الضابط السوداني نحو التمكّن السياسي وليس الدفاع عن مصلحة بلاده والقيام بمهامه كضابط مرتدياً الزيّ العسكري.
جميع الإنقلابات الناجحة من قبل الضباط، بيّنت أنه بمجرد استيلائهم على السلطة السياسية، فإنهم لا يتخلّون عنها طواعية، بعبارة أخرى، لا يستولون على السلطة ليحكمهم الآخرون. وبمجرّد خلعهم لرئيس الدولة، يبدأ قادة الانقلاب في الشك ببعضهم البعض ويميلون إلى الانقلاب على بعضهم البعض.
علاوة على ذلك، يميلون إلى عسكرة السياسة وتسييس الجيش على حساب مؤسسات الدولة والشعب. غير قادرين على تقديم حلول اجتماعية واقتصادية لمشاكل دولهم، يلجأون إلى الشعبوية الدينية أو الطائفية أو اللغة الوحيدة التي يتقنونها وهي القوة.
لذلك ليس من المستغرب أن يكون قادة الانقلاب السوداني، اللواء عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش، واللواء محمد حمدان «حميدتي» دقلو، قائد قوات الدعم السريع، قد اتبعا نفس الأساليب من أجل احتكار السلطة بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير في 2019.
وكلما زاد نفوذهما، زادت شكوكهما في بعضهما البعض وصولاً إلى فشل محاولات تقاسم السلطة، فكانت مسألة وقت فقط قبل أن يتصاعد انعدام الثقة والخلاف بينهما إلى مواجهة دموية مفتوحة التي اندلعت صباح 15 نيسان 2023. فما هي الاستراتيجيات العسكرية المعتمدة في هذه المواجهات؟
ما هو واضح حتى الآن هو أن قوات الدعم السريع الأقلّ قوة ولكن الأكثر قدرة على الحركة، اتبعت استراتيجيات غير متكافئة، وانتشرت بسرعة قرب مراكز القوة الحساسة لتحقيق انتصارات سريعة ضدّ الجيش الأقل قدرة على الحركة.
كما أنها تُحاول القبض على البرهان من خلال تطويق القصر الجمهوري ومقرّ القيادة العامة، وبالتالي توجيه ضربة نفسية للقوات المسلّحة. ونشرت قوات عسكرية لها في عدد من المناطق بجانب النقاط الحساسة التي إذا تمكنت من السيطرة عليها ستزيد فرص نجاح هذا الانقلاب مثل التلفزيون الرسمي وقاعدة مروي الجوية.
لدى الجيش السوداني قدرة قتالية متكاملة من دبابات وحولى 80 طائرة بين طائرات حربية وطوافات قتالية، وعديد مدرّب كبير، يجعل ميزان القوى يميل نحو الجيش لأن قوات الدعم تملك فقط 100 ألف مقاتل ونحو 500 عربة قتالية.
أما ما يُميّز قوات الدعم هو أسلوب الحرب داخل المدن والقرى كونها تتميّز بالحركية العالية، ونقطة ضعف الجيوش النظامية داخل المدن، حيث تحد من قدرة الدبابات والمدفعية وسلاح الجو.
الحرب داخل الأحياء بالتأكيد تؤدّي إلى خسائر بشرية، خصوصاً من المدنيين الذين ما زالوا داخل بيوتهم، وهذا يعتبر إنتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني، فضلاً عن انقطاع المواصلات، ما يؤثر على امدادات المواد الغذائية.
في هذه الحرب هناك إعتماد كبير على الحرب النفسية من خلال البيانات المتتالية والمضادة للطرفين، كبيان السيطرة الكاملة على مقر القيادة العامة للجيش والقصر الجمهوري الرئاسي الصادر عن الدعم السريع، ليعود الجيش ويؤكد عدم مصداقية البيان.
كذلك، كثَّف قادة الجيش والدعم السريع من الظهور الإعلامي في الفضائيات وإصدار بيانات صحافية متتالية على منصّاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، يتهم فيها كلّ طرفٍ الآخر ببدء الهجوم، وفي الوقت نفسه يحاول كلّ طرف تأكيد موقفه وتقدّمه على الأرض، وانهزام الآخر ميدانياً.