مجيد مطر

شروط الحكم القوي

4 دقائق للقراءة

البون شاسع بين مصطلح «الحكم القوي» ومصطلح «الرئيس القوي». الأول يستمدّ أهميته من الشرعية والدستور، ومن الدولة ومؤسّساتها، من برنامج حكم متماسك، ومن الفصل بين العام والخاص. صفات الرئيس ميزة من ميزاته. أمّا المصطلح الثاني فيرتكز على الصفات الخاصة، التي تحيل إلى التحكم والتفرّد، أي هو الذي يفرض نفسه من خارج أصول الحكم وتقاليده، فيجيز لنفسه استخدام الخطاب الطائفي، غب الطلب، ليبلغ ذروته. وفكرة الرئيس القوي، لا تحتل حيّزاً إيجابياً في ذاكرة اللبنانيين، إذ للتوّ قد خبروا ويلاتها وفشلها على الصعد كافة.

في لبنان، نعيش اليوم أزمة هي نتاج الخلط، بين شروط الحكم القوي وصفات الرئيس القوي، فهذا الخلط منبته التهرّب المقصود من تطبيق الدستور والاحتكام إليه، بحيث تصبح لعبة الصفات الشخصية حجة تبدو مقبولة لخداع الرأي العام، باعتبارها المدخل الذي لا بدّ منه، لاكتمال النصاب وانتخاب الرئيس.

وبالنسبة للدول التي تنخرط في مساعدة اللبنانيين لإنجاز استحقاقهم الرئاسي، تقتصر مهمتها في الحديث عن صفات الرئيس، كمسلك دبلوماسي تؤكد من خلاله أنّها لا تتدخّل في الأسماء المطروحة باعتبارها شأناً لبنانياً داخلياً، هذا مع العلم أنّ اللقاء الخماسي لا يخوض إلا في الأسماء والشخصيات والجهات التي يوالونها. فقد بات من المسلمات أنّ فرنسا متمسكة بشخصية محدّدة ومعروفة لدى الجميع، والأطراف الأخرى كذلك، بدورها تنتقل من الحديث عن صفات الرئيس إلى التطرّق إلى أسماء محدّدة قد تكون مقبولة داخلياً وخارجياً.

إذاً، إنّ الحديث عن الصفات، يأتي من باب أين تكمن الرغبة وأين تكمن القدرة وحدودها على فرض هذا الرئيس أو ذاك.

ويبدو من سياق الأحداث أنّ الأمر لا يقتصر على مسألة الصفات، بل هناك من يتحدث عن وظيفة الرئيس الحصرية، كشرط للموافقة على انتخابه، انطلاقاً من حسابات سياسية تخص الفريق الذي يقول بها. فبالنسبة لمطلب نريد رئيساً يحمي ظهر المقاومة، هنا مقتضيات المنطق تدعو للتساؤل ما المقصود بمطلب حماية ظهر المقاومة، في حال سلمنا بها قولاً. ألا يفترض هذا القول تخويناً للآخرين؟

فمن باب الافتراض، وقد تم انتخاب هذا الرئيس على خلفية هذه الوظيفة، يصبح لزاماً، واستناداً إلى قانون العقوبات اللبناني، اعتقال جميع المرشحين للرئاسة، والذين لم يحالفهم الحظ للظفر بها، بعد توجيه تهمة الخيانة إليهم، بحيث إنّ الاخيتار وقع على الشخصية الوطنية، أما الباقي فمشكوك بوطنيتهم. إذ لا تفسير غير هذا التفسير: رئيس يحمي ظهر المقاومة في مقابل رئيس مستعد للتآمر عليها وطعنها في الظهر!

هذه الشروط الموضوعة لإنجاز الاستحقاق مجرّدة من الواقعية السياسية، لسبب جوهري، يكمن في استحالة إدخال مثل طلبات كهذه في النظام السياسي اللبناني بمرتكزاته المعروفة، كالعيش المشترك، وضمانة الحقوق والحريات الفردية والعامة، والنظام الحرّ الذي يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة.

وقد حددت المادة 49 من الدستور موقع رئيس الجمهورية باعتباره رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، ووظيفته احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه، وفقاً لأحكام الدستور. يترأس المجلس الأعلى للدفاع، وهو القائد العام للقوات المسلّحة. فضلاً عن تلك الشروط التي تقول بعدم جواز انتخاب أحد لرئاسة الجمهورية ما لم يكن حائزاً الشروط التي تؤهله للنيابة وغير المانعة لأهلية الترشح.

إنّ تلك الوظائف المستجدّة المطلوب توفّرها في الرئيس، غير تلك الشروط الدستورية التي تحكم الاستحقاق ترشحاً وانتخاباً، تعتبر من جهة السبب والنتيجة في الاستعصاء الرئاسي، ومن جهة أخرى لا يمكن اختزال مآسي البلاد والشعب عبر فرض شروط تقفز اعتباطياً فوق واقعنا المزري، الغاية منها فقط القول إن مسؤولية التعطيل عند الطرف الآخر وليس عندي، وفي هذا الصدد إذا قمنا بعملية توزيع عادل للمسؤوليات، نجد أنّ النصيب الأوفر يقع عند طرف بعينه.

فتسمية المرشحين حق لكل نائب في البرلمان، بصفته مخوّلاً انتخاب الرئيس، ومن حقّه تحديد المواصفات الرئاسية أيضاً، التي تتلاقى مع فكره السياسي أو مع تحالفاته، إنما يجب أن يكون التفضيل بين مرشح وآخر من خلال المثابرة على حضور جلسات الانتخاب لا تعطيلها. رب قائلٍ إنّ الدعوة لتطبيق الدستور في ظل اختلال التوازنات، هي من قبيل المثالية، حتماً إنها ليست كذلك...