أتابع مثل غيري ما يجري في السودان، متمنّياً توقّف العنف الدموي عند نشر هذا المقال. أتابعه بحسرة ممزوجة بخيبة تُضاف إلى غيرها.
ماذا يجري؟ بل السؤال الأسلم: كيف يجري ما يجري؟!
لعلّ السودان أجرى "ثورته" (وفق الكلام العربي عن "الثورات" منذ العام 2011 على الأقل) بعد غيره.
تابعَها كثيرون بحماس وإعجاب في كِبَرها السلمي الشديد...
إلا أن ما انتهت إليه "الثورة" السودانية سبق أن انتهت إليه قبل الانفجار الأخير، عندما جرى التفرّد العسكري بالحكم من دون أفق أكيد ومأمون لاستلامه من قبل إدارة سياسية مدنية.
أكان لمثل هذه الإدارة أن تعيشه فعلاً، أي أن تستلم الحكم؟ بل السؤال الأصعب: أكان لهذه الإدارة المدنية أن تبقى في الحكم حتى لو استلمتْه؟
أسئلتي شكّاكة بحكم أنني تعاملتُ مع ما يُسمّى "الثورات"، منذ سنوات بعيدة، بوصفها "هبّات جماهيرية" في أحسن الأحوال. هذا لا يعني أنني أخفّف من هول ما تعيشه هذه الشعوب. هذا لا يعني أنني أخفّف من تعبير هذه الهبّات عن تطلّعات مدنية وسلمية وديمقراطية وإصلاحية...
إلا أنني كنتُ أعتبر، ابتداء من دراسات عديدة أجريتُها وقمتُ بها، أن مثل هذه الثورات... مستحيل، غير ممكن قيامه.
فما هو أبسط من ذلك بكثير لا يحصل في هذه البلاد، مثل إمكان تشكيل جمعية، أو نقابة، أو حزب وغيرها.
فمن دون هذه العتبات الأولية، ومن دون تراكمها الإيجابي،
لا يمكن الانتقال إلى ساحات
البناء الديمقراطي.
فليس بالغريب، في هذه البلاد، أن الجيش (والميليشيات أيضاً) هو الأقدر والمتربّص بالسلطة كيفما آلت إليه الأمور. وهو القوة الأكثر تنظيماً، والممسك بأدوات العنف الشرعية.
لا بأس من إثارة عدد من الأسئلة البعيدة في الزمن: كيف يَحدث أن ولايات أو أجزاء من ولايات في السلطنة العثمانية نجحتْ في بناء "دُوَل" بعد خروجها من السلطنة، وفي شق الطريق صوب الديمقراطية (على الرغم من تعثراتها) مثل اليونان، وبلاد البلقان، و... تركيا نفسها؟
كيف يَحدث - بالمقلوب هذه المرة - أن ما ينضوي تحت "جامعة الدول العربية" لم يبنِ دولاً، بل إدارة منافع، ولم تبلغ سوى الإدارة المسرحية لما يسمّى التمثيل الديمقراطي؟
كيف لهذه بالتالي أن تشقّ طريقاً للسياسة غير الانقلاب والفرض والقمع، وهو ما للقوى المتمكّنة من مؤسسات العنف أن تديره وأن تتصارع فيه مع قوى ونخب مناوئة لها؟
يؤلمني ما يجري في السودان، على الرغم مما أسوقه من قتامة يائسة في أيام الشقاء العربي المقيم.
كتبتُ هذا المقال، وتذكرتُ الأديب السوداني الراحل الطيب صالح، وعمله الروائي الرائع: "موسم الهجرة إلى الشمال"، مستعيداً سؤالي له، ذات جلسة في باريس: متى ستكون العودة إلى هذه الأوطان، لا الهجرة منها؟