رواد مسلم

الجيش السوداني يُغيّر استراتيجيّته القتاليّة

4 دقائق للقراءة
سحابة من الدخان تتصاعد من شرق الخرطوم جرّاء المعارك أمس (أ ف ب)

يبدو أن حسابات المتقاتلين في الخرطوم كانت خاطئة. فكل طرف كان ينوي تنفيذ قتال خاطف يدمر الآخر ويسيطر على المشهد السياسي في البلاد. لكن أسبوعين داميين لم ينهيا الحرب، ولم يستطع أي من الطرفين تسجيل نصر حاسم. من جهة، الجيش السوداني المتفوّق عديداً وعتاداً، لا يملك الحركية في قتال المدن، ومن جهة أخرى، قوات الدعم السريع، لا يمكنها تصديع دفاعات الجيش وإحتلال النقاط الحاسمة في العاصمة الخرطوم.

يستقدم الجيش السوداني في الأيام الأخيرة تعزيزات عسكرية قتالية إلى الخرطوم، هذا يبيّن أنه يريد تركيز القتال هناك، حيث النقاط الحاسمة ومركز الثقل الإستراتيجي، وهذا سيؤدي إلى انفلات أمني في مختلف المناطق السودانية الأخرى، حيث يمكن لقوات الدعم الإستفادة من ضآلة إهتمام الجيش، لتقوم بتقوية نفوذها والتعرّض للمدنيين، ما يُنذر بحرب أهلية، خصوصاً في دارفور، حيث القبائل بدأت تسليح نفسها لحماية مناطقها من أي إعتداء. بالعودة إلى الخرطوم، أم المعارك، يبدو أن الجيش بقيادة اللواء عبد الفتاح البرهان قد استفاد من الهدنات الخمس، لإعادة الحسابات والتخطيط والاستفادة من قدراته القتالية. استدرجت قوات الدعم السريع بقيادة اللواء محمد حمدان دقلو "حميدتي"، الجيش السوداني إلى حرب المدن، وكان الجيش في الأيام الأولى يدافع عن القصر الجمهوري والقيادة العامة والمطار، بالضربات الجوية والمدفعية، ما أدّى إلى أضرار جانبية مأسوية على الشعب السوداني والبنى التحتية. أما قوات الدعم فما زالت تقوم بالهجمات السريعة الخاطفة وتنسحب من بعدها مستفيدةً من الحركية العالية التي تؤمنها العربات القتالية رباعية الدفع. سلاح الجو السوداني غير متطوّر، طائراته الحربية وطوافاته القتالية غير مجهزة بالأسلحة الدقيقة الذكية ومعظم طائراته خرجت من الخدمة في الدول الأخرى. إستخدام سلاح الجو في المدن بحاجة إلى ذخيرة موجّهة بالليزر مثلاً أو التي تطلق من الطائرة وتتبع إحداثيات الهدف الجغرافية لإصابته بدقة عالية، فضلاً عن أنه لا يملك الطائرات المسيّرة للإستطلاع والهجوم. أيضاً سلاح الجو وسلاح المدفعية متكاملان في الحروب الحديثة، حيث يمكن للمدفع إطلاق القذائف وتوجيهها من قبل الطيار في الجو من خلال الليزر لإصابة الهدف في وسطه من دون أضرار جانبية بالغة.

لذلك، فإن استقدام التعزيزات من قبل الجيش السوداني إلى الخرطوم تكتيك ميداني جيّد سيؤدي إلى زيادة عديد المشاة، العنصر القتالي المثالي في حرب المدن والشوارع. وقد كان واضحاً أن الجيش بدّل خططه بعد عمليات التمشيط الواسعة التي قام بها في جنوب الخرطوم.

إن قوات الدعم السريع منتشرة في مدينة الخرطوم، وهي متمركزة خصوصاً حول مقر القيادة العامة والقصر الجمهوري والمطار، وهناك معسكرات لها، وبالتالي يستطيع الجيش السوداني الإستفادة من قدرات سلاح الجو المحدودة لضرب الدعم السريع في هذه البقع وهذا ما يفعله، وإلّا كان الوضع الميداني في الخرطوم مختلفاً لصالح قوات الدعم السريع، فقد استطاع الجيش ضرب هذه المعسكرات وقطع سبل الإمداد اللوجستي لها.

لذلك، فإنّ إستخدام القدرات القتالية التابعة للجيش السوداني مندمجةً داخل مدينة الخرطوم ستقرّبه من حسم المعركة، أعني بذلك أنّ الإستعلام التكتي الذي يقوم به المشاة ونقل هذه المعلومات إلى الطائرات الحربية أو الطوافات القتالية سيؤدي بالطبع إلى تدمير الأهداف بدقة ومن دون أضرار جانبية كبيرة.

إنّ تغيير استراتيجية القتال للجيش السوداني داخل مدينة الخرطوم، من استقدام التعزيزات القتالية الراجلة، وعمليات التمشيط والتعاون الأرضي - الجوّي، دليلٌ واضح على أن حظوظ قوات الدعم في السيطرة على الأهداف الحاسمة باتت شبه مستحيلة، خصوصاً أن قدراتها القتالية لا تسمح لها بإختراق دفاعات الجيش في مركز ثقله الإستراتيجي.

أمّا من جهة قوات الدعم السريع، فتعمل على إرهاق الجيش داخل المدن واستنزاف قدراته المعنوية، بالرغم من يقينها بصعوبة الحسم لصالحها، والخوف هنا أن تكون هناك تعزيزات قادمة لها من جهات أجنبية لها مصالح في نجاح انقلاب "حميدتي"، والإحتمال الثاني هو استدراج الجيش لتركيز كافة قدراته في مدينة الخرطوم، والعمل على استنزافه في حرب طويلة، كون الحسم في حرب المدن يتطلّب وقتاً طويلاً، مِمّا سيؤدي إلى خسائر كبيرة في البنى التحتية وأرواح المواطنيين السودانيين.