عاجلاً أو آجلاً، كان تيموثي شالاميت محكوماً بأداء دور البطولة في ملحمة تاريخية. هو واحد من أبرز المملثين في جيله ويقتصر عمره على 23 سنة. لقد وجد أخيراً العمل المثالي للجمع بين موهبة صَقَلها على المسرح، وجاذبية مؤثرة، وكاريزما واضحة على غرار كبار نجوم السينما: إنه فيلم The King (الملك) للمخرج ديفيد ميشود (من أعماله Animal Kingdom (مملكة الحيوان). يطرح الفيلم نسخة معاصرة وذكية من مسرحيات شكسبير وصورة موسّعة عن القرون الوسطى، لكنه يتناول أيضاً الحريات المعقدة تزامناً مع محاولة عرض الأحداث التاريخية والدروس المعاصرة المستخلصة منها بطريقة بسيطة يسهل أن تفهمها الفئات العمرية الجديدة. ومن أفضل من الشاب شالاميت الذي يملك قاعدة واسعة من المعجبين لجذب هذه الشريحة من الجمهور؟ هو يؤدي في هذا الفيلم دور الأمير هال الجامح واللامبالي لكن السلمي بطبيعته، ثم يتحول على مضض إلى ملك إنكلترا هنري الخامس في العام 1413. ينجح شالاميت في تقديم شخصية شابة وناضجة في آن عبر نظراته العميقة وقَصَّة شعره القديمة.
لكن قبل أن يرتبك وتطغى عليه السلطة التي يرثها، وقبل انطلاق معركة "أجينكور" الأسطورية، سنشاهد طبعاً الأمير "هال" في المرحلة الأولى. يظهر شالاميت بشعره الطويل لتجسيد دور "هال" وهو يمضي وقته مع النساء ويشرب الكحول إلى جانب صديقه اللامبالي ومرشده الأمين "فالستاف" (جويل إدغرتون الذي شارك في كتابة السيناريو إلى جانب ميشود)، وهو فارس متنحٍّ يُعنى الآن بالمعاملات الصغيرة في "إيستشيب". في هذه المرحلة، لا يزال الملك "هنري" الرابع المتوحش والمتعطش للحروب (بن مندلسون بأداء حاد وانفعالي ومخيف) في السلطة، ولا أحد يعرف إلى متى سيصمد في الحكم نظراً إلى تدهور صحته. لكن يقدّم السيناريو المشترك بين إدغرتون وميشود هذه المرحلة بوتيرة متسارعة أكثر من اللزوم للأسف، ومع ذلك سنشاهد قبل نهايتها الجثث المتساقطة في معركة ضخمة ونتعرّف على النبيل غير المنضبط "هوتسبير" (توم غلين كارني)، علماً أن "هال" يعود ويتبارز معه لاحقاً كي يصبح خَلَف والده الحتمي. تحصل هذه الأحداث كلها بسرعة فائقة. خلال مدة قصيرة، يموت "هنري" الرابع وينضج ابنه الوسيم رغماً عنه تحت ثقل تاجه اللامع.

يغوص الفيلم في أعماق هذا التردد، فيقدم لنا صورة واضحة عن شاب يتخبط بين مسؤولياته الجديدة واقتناعه بالحلول السلمية. يجسّد شالاميت نسخة هادئة ومختلفة من شخصية "هنري" الخامس، على طريقته الخاصة (بدل أن يكتفي بتقليد أداء السير لورانس أوليفييه القوي)، ويبرع في التعبير عن عواطفه عبر نظراته. هل سيصبح "هال" بكل بساطة نسخة من والده الذي كان يكرهه (إنه سؤال وجودي محوري في عدد كبير من جلسات العلاج النفسي اليوم)؟ وهل يستطيع الوثوق بأي كان؟ وماذا عن ردة فعله تجاه غطرسة وريث العرش الفرنسي (روبرت باتينسون الذي يسرق الأضواء بأدائه المضحك)؟ هل يجب أن يشعر بالإهانة كما يوصيه المحيطون به؟
يؤدي إدغرتون من جهته دور "فالستاف" الغريب وسريع الانفعال والحذق، فيُذكّر "هال" دوماً بحقيقة وضعه: "الملك لا أصدقاء له! بل لديه أعداء وأتباع بكل بساطة". تتّضح صحة هذه الفكرة حين يصل "هال" إلى العرش ويتخذ سلسلة من القرارات المريبة، فيتخلى عن حليفه الحقيقي الوحيد "فالستاف" لفترة، ما يجعلنا نشتاق إلى الممثل الأسترالي الموهوب والمُطّلع على أعمال شكسبير والمسرح.
لحسن الحظ، تنقذ مجموعة مبهرة من المواهب الفيلم عبر أدوار ثانوية صغيرة لكن محورية (لا بد من الإشادة بالسيناريو لأنه يعطي الأهمية لكل شخصية ثانوية بغض النظر عن مدة ظهورها على الشاشة). تظهر ملكة الدنمارك "فيليبا" (توماسين ماكنزي) في مشهد قصير، حيث تتكلم مع شقيقها "هال" عن دوافع مناصريه الخفية. وتظهر أيضاً شقيقة وريث العرش الفرنسي، "كاترين دو فالوا" (ليلي روز ديب بأداء مدهش في مشهد متأخر من الفيلم)، فتعطي الأحداث بُعداً نسوياً (وربما تلمح إلى تصرفات ترامب بطريقة رمزية) وتواجه بكل جرأة "هنري" الخامس بنقاط ضعفه وتُشبّهه بالفتى الصغير المنفعل في الملعب. ومجدداً يظهر باتينسون المتغطرس وتصبح صوره الأكثر شعبية على الإنترنت، بتعليقاته الهستيرية حول اللغة الإنكليزية والأعضاء التناسلية الذكرية.
يتخذ فيلم The King بُعداً فخماً في زوايا القصر المظلمة وتتّضح ميزانيته الضخمة حين تُصوَّر المشاهد الخارجية في المراعي الشاسعة. يتألق الفيلم بفضل المصور السينمائي آدم أركاباو، رغم درجات الألوان الداكنة والأجواء الغامضة التي ترسم مشهداً طاغياً من القتال والعدائية. إلى جانب صورة أركاباو الجميلة (على أمل ألا تخسر رونقها عند مشاهدة الفيلم على شاشة "نتفلكس" المحصورة)، تتميز الموسيقى التصويرية لنيكولاس بريتيل بالفخامة، ويركّز تصميم الإنتاج على جميع المعدات المستعملة خلال المواجهات بين الدروع الثقيلة على أراضي "أجينكور" الزلقة. تبدو مشاهد الحرب مبهرة بقدر Braveheart (قلب شجاع). فيما يكثر الكلام اليوم عن المؤسسات المعاصرة والفاسدة في السلطة وعن مخاطر هيمنة الرجال، يقدّم The King ومخرجه ميشود ثقلاً فلسفياً ومؤثرات بصرية تتماشى مع أفكار هذا العصر ومن دون الحاجة إلى أسلوب الوعظ الممل.