رواد مسلم

التكتيكات الأوكرانيّة تُحبط "فاغنر" في باخموت

4 دقائق للقراءة
صورة ملتقطة عبر الأقمار الإصطناعيّة تُظهر حجم الدمار الهائل في باخموت (ماكسار)

تعتبر مدينة باخموت في شرق أوكرانيا اليوم، محور المواجهات البريّة بين قوات «فاغنر» الروسية والجيش الأوكراني، والتي باتت من أكثر المواجهات دموية لأكثر من 9 شهور متواصلة، إلى جانب حرب السماء التي تشنّها روسيا على كييف ومناطق أخرى في العمق الأوكراني بواسطة المسيّرات الهجومية والإنتحارية والصواريخ البعيدة المدى.

تشهد جبهة باخموت تصعيداً وهجمات متبادلة بين الطرفين، فقوات «فاغنر» تريد إكمال السيطرة على المدينة بعدما تمكنت من إحتلال 95 في المئة منها بمساعدة القوات الروسية المحمولة جوّاً وبقي نحو 1.5 كلم مربع، تقابلها محاولة أوكرانية تكتيكية لإحاطة العدو من خلال الهجوم على 3 محاور.

الأوّل، الهجوم الجبهي في وسط المدينة من الناحية الغربية، وبالتزامن هناك محورَان، شمال خروموف (غرب باخموت مباشرة) وشمال غرب بيلا هورا (14 كلم جنوب غرب باخموت)، وهذا ما يُسمّى في العلوم العسكرية «المهاجمة من الأكتاف» لإحاطة العدو والسيطرة على بقعته الخلفية، ما يضعف تلقائياً القوات الروسية في الوسط والأمام.

وبالفعل، فإنّ القوات الأوكرانية تمكّنت من تحرير نحو 18 كلم مربّعاً في المحور الأساسي الجبهي، وطبعاً ذلك بواسطة الأسلحة الغربية التي قدّمها الغرب، والحماية الجوية التي تؤمنها الدفاعات الجوية الأوكرانية. لعلّ قيمة باخموت الإستراتيجية ليست بمستوى قيمتها السياسية، فبالنسبة لأوكرانيا، خسارتها سيؤثر معنوياً على الشعب والجيش الأوكرانيين، أمّا طرد الروس منها فسيزيد ثقة الغرب بالجيش ويُبرهن أن دعمه سيؤدّي إلى الأهداف المرجوّة، فضلاً عن إنتكاسة معنوية للعدو.

أمّا بالنسبة لروسيا، فإنّ السيطرة الكاملة على باخموت تصبّ بالدرجة الأولى في مصلحة قائد قوات «فاغنر» شبه العسكرية يفغيني بريغوجين، الذي يريد إثبات قدرته العسكرية بالسيطرة على المدينة لإكتساب ثقة شعبية بهدف تحقيق طموحاته السياسية مستقبلاً. فمن المؤكد أن الجيش الروسي يعرف أن احتلال باخموت التي تمكّنت قوات «فاغنر» من احتلال 95 في المئة منها، لن يفتح المجال لاحتلال المزيد من الأراضي الأوكرانية، لأن طبيعة الأرض غرب باخموت تُعطي الأفضلية للجيش الأوكراني، كون مدينة شازيف يار غرب باخموت أعلى والجيش الأوكراني متمركز دفاعيّاً فيها والمسافة بين باخموت وشازيف يار التي تبلغ حولى 15 كلم هي مفتوحة يستطيع الجيش الأوكراني الاستفادة من الدبابات الحديثة التي حصل عليها من الغرب لإقامة بقعة قتل للجيش الروسي في وسطها.

وبالفعل، فإنّ دبابات «ليوبارد 2» متمركزة على تخوم بلدة شازيف يار، وهو دليل تكتيكي واضح أن الجيش الأوكراني يُجهز خط دفاع ثانياً غرب باخموت. إذاً، ليس هدف الجيش الروسي احتلال باخموت لمتابعة الهجوم. فالجيش الروسي يعرف أنه بمحاصرته الجيش الأوكراني داخل باخموت من خلال تطويقه، يُجبر الطرف الأوكراني على تقديم تنازلات، كما حصل في حرب الـ2014 في شبه جزيرة القرم، ويؤخر بالتالي الهجوم الأوكراني المعاكس المنتظر، ما يوفر الوقت للجيش الروسي لاعادة التسليح والتجهيز وإعادة التنظيم والتخطيط، خصوصاً أن مصروف الذخائر والأسلحة قد فاق قدرة المصانع الروسية على التصنيع وقدرة الدول الداعمة عسكريّاً للجيش الروسي، وهناك نقص حاد بالذخيرة المستخدمة في المناورات الدفاعية.

بالنسبة لأوكرانيا، فهي تُدافع عن أرضها وهدفها الأساسي منع الجيش الروسي من التقدّم، ولن تتنازل بسهولة عن باخموت، فبعد 9 شهور ما زال الجيش الأوكراني يُدافع عن هذه المدينة ويهدف إلى استنزاف واضعاف قوات «فاغنر»، التي تتكبّد خسائر بشرية عالية جدّاً. فبعض التقارير تؤكد أن لكلّ قتيل من الجيش الأوكراني هناك 7 قتلى من عناصر «فاغنر». ويُحاول الجيش الأوكراني أيضاً كسب الوقت حتى وصول الأسلحة الهجومية المتطوّرة الموعودة من الغرب، وتدريب الجيش الأوكراني عليها جيّداً، لإستخدامها في الهجوم المضاد المنتظر.

تشهد باخموت إستماتة روسية للسيطرة عليها بالكامل، مقابل مواجهة مقاومة أوكرانية شرسة، فهي نقطة انطلاق نحو الاستيلاء على بقية منطقة دونباس في شرق أوكرانيا، لكن تمايز القيادة والسيطرة والتكتيكات العسكرية الأوكرانية والحماية الجوّية من الصواريخ والمسيّرات والمقاتلات الروسية، يمكن أن تنذر بتقارب ميزان القوّة بين الجيشَين، بالرغم من حصول الجيش الأوكراني على العتاد الدفاعي وليس الهجومي من الغرب، ما يجعله أقلّ قدرةً على صدّ الأسلحة الروسية الهجومية. وبالتالي مع مماطلة الغرب في تسليم كييف أسلحة هجومية بريّة وجوّية، قادرة على إستعادة الأراضي المحتلّة، تبقى نتيجة المواجهات إستنزافاً للطرف الروسي أكثر من الطرف الأوكراني، بعد الحماية الجوّية التي تؤمنها الدفاعات الجوّية الأوكرانية المقدّمة من الغرب.