يعرض فيلم The Gentleman (السادة الأفاضل)، من إخراج غاي ريتشي، قصة مليئة بالمبالغات والزخرفات. الراوي في هذه القصة هو تحري خاص مخادع وبلا ضمير اسمه "فليتشر" (هيو غرانت). هو يتباهى بجميع المعلومات التي يعرفها عن العناصر المتداخلة في عالم تجارة المخدرات والجرائم في إنكلترا، ويبدأ بابتزاز الجميع وفق سيناريو من كتابته، حيث يُحدد القواعد بنفسه ويستهدف الأسماء التي يريدها. يحمل هذا السيناريو عنوان BUSH (الشجيرة)، في إشارة إلى الماريجوانا. إنها قصة بالغة التعقيد عن حرب محتدمة في عالم المخدرات: يعرف الجميع أن تشريعها أصبح وشيكاً وأن النهاية اقتربت.
يشارك في هذه اللعبة أميركي اسمه "ميكي بيرسون" (ماثيو ماكونهي). هو يجد فرصاً مهمة في عالم الأرستقراطية الإنكليزية المتلاشية، فيجلس في قصورها المتداعية ويحلم بالأيام الجميلة الغابرة من عصر "دانتون آبي". يتدخل "ميكي" ويبرم الصفقات مع الأثرياء للسماح له بزراعة الماريجوانا في تلك الملكية. بالحديث عن "دانتون آبي"، يكون "ميكي" متزوجاً من "روز" (ميشيل دوكري التي جسدت شخصية "الليدي ميري" في مسلسل Downton Abbey). هي تدير كاراجاً حيث تستعين بالنساء حصراً لتصليح السيارات. يحب "ميكي" زوجته، وهو مستعد للتقاعد من تجارة المخدرات ويبدي خصمان له استعدادهما لشراء البضاعة: ملياردير أميركي يهودي (جيريمي سترونغ)، ورجل عصابات صيني اسمه "دراي آي" (هنري غولدينغ). تتعلق الورقة الرابحة بـ"كوتش" (كولين فاريل)، وهو رجل أيرلندي يدير نادياً للملاكمة ويُصِرّ على عدم اعتبار نفسه رجل عصابات، مع أنه يتصرف مثلهم طوال الوقت. يتكل "ميكي" على يده اليمنى "راي" (تشارلي هانام)، وهو رجل مؤدب ظاهرياً يشبه موظفي المكاتب لكن يتغير كل شيء حين نشاهده وهو يقاتل، فيصبح مرعباً بمعنى الكلمة. من الواضح أن عبارة "السادة الأفاضل" في عنوان الفيلم تحمل معنىً ساخراً.
يتوقف تماسك هذه التفاصيل كلها على هيو غرانت الذي يقدم أداءً استثنائياً، نظراً إلى الظروف المحيطة بالعمل. يستوحي السيناريو، الذي كتبه ريتشي بالتعاون مع إيفان أتكينسون ومارن ديفيس، أفكاره من معظم الحبكات الشائعة في مختلف الأنواع السينمائية، لكن تطغى على العمل نزعة "فليتشر" إلى اقتباس أحداث من الحياة الواقعية للتعامل مع "راي" الذي يزداد رعباً مع مرور الوقت. "فليتشر" شخص متطفل، وهو يشبه "الكتّاب" المنتشرين في صحف الفضائح، ما يعني أنه يحب الاطلاع على المستجدات المرتبطة بجميع المواضيع، ولا يهتم بالناس وسمعتهم، ويحب تفسير معلوماته بالتفصيل. تمتد هذه الأجواء على أحداث الفيلم كله، فنشعر وكأن المشاهد تنبثق من مخيلة "فليتشر" فيما يتولى غرانت سردها على مر القصة، مع أننا نشاهد الأحداث الحقيقية... أو ربما لا نفعل! لا يمكن تصديق "فليتشر" بسهولة. سنكون أمام سيناريو داخل سيناريو آخر، ويمكن اعتبار هذا الجانب من مزايا العمل. لا مفر من أن يشعر المشاهدون بوجود طبقة تفصلهم عن الشخصيات التي يشاهدونها طوال الوقت.
كان يمكن التخلي عن بعض النكات المرتبطة بالأسماء التي تحمل لفظاً مضحكاً أو المشهد الذي يشمل تهديداً بالاغتصاب. يتكلم الملياردير اليهودي على طريقة "المثليين" النموذجية (حتى أنه يتلعثم بالكلام على غرار هذا النوع من الشخصيات في أعمال أخرى)، وتطغى الصور النمطية المعادية للسامية في كل مكان. قد يكون هذا النهج مقصوداً، لكنه أصبح مستهلكاً أكثر من اللزوم. على صعيد آخر، يجمع المسلسل خليطاً من الأجواء المضحكة والمزعجة في آن. تبدو هذه الجوانب من العمل غير مبررة ومبتذلة.
لطالما كان الممثل هيو غرانت ممتازاً في عمله، لكنه يبدو أكثر تميّزاً في السنوات القليلة الماضية. حين انتقل إلى فئة عمرية جديدة وخرج من مكانة "بطل القصة" المحبوب والمتكرر، بدأ يقدّم أداءً تمثيلياً مدهشاً. عندما بات يختار شخصيات مركّبة، توسّعت خياراته بكل وضوح وبدأ يستفيد من هذه الفرص المستجدة على أكمل وجه. يُعتبر فيلما Paddington 2 و A Very English Scandal (فضيحة إنكليزية بامتياز)، اللذان صدرا في السنة نفسها، خير مثال على ذلك. استعمل غرانت هذه المهارات التمثيلية التي لم يكن يحتاج إليها في أدواره السابقة، ومن الممتع أن نشاهده بهذا الشكل. يبدو دوره الجديد مثيراً للاهتمام، وهو يسمح بتسليط الضوء عليه لأنه عبارة عن مناجاة فردية طويلة، ومع ذلك يسهل الاستمتاع بأدائه.
في لحظة معينة، يضع غرانت يده على ركبة تشارلي هانام ويدرك أنها لمسة غير محبذة، ويفهم أنه أخفق وتم ضبط حركته غير اللائقة، ثم يظهر تعبير جامح على وجهه وكأنه يقول إنه غير متأسف على ما فعله. إنه مشهد مضحك جداً وقد يكون من أفضل أنواع الفكاهة المبنية على خصائص الشخصية وتصرفاتها. وبما أن أداء غرانت الفردي يبقى ممتعاً ومتنوعاً ومتماسكاً في جميع شخصياته وحواراته، هو يقدّم مشاهده وكأنه محور الجاذبية كلها. قد يكون "ميكي بيرسون" بطل القصة في هذا المسلسل، لكن تبقى الكلمة الأخيرة لـ"فليتشر" في نهاية المطاف.