الياس دمّر

في فيلم "The Odyssey"

كريستوفر نولان يُعلن نهضة "السينما الملحمية الجديدة"

6 دقائق للقراءة

منذ سنوات، بدا واضحًا أنّ الكاتب والمخرج كريستوفر نولان يتّجه تدريجيًا نحو صناعة أفلام تتجاوز حدود النوع السينمائي الذي تنتمي إليه. فهو من أعاد تعريف أفلام الأبطال الخارقين، ومن لامس الحرب من منظور وجودي في "Dunkirk". ثمّ حوّل السيرة الذاتيّة في "Oppenheimer" إلى ملحمة فلسفيّة عن السّلطة والمعرفة. وها هو اليوم مع "The Odyssey" يخوض ربّما أكثر رهاناته جرأة: إعادة قراءة النص المؤسِّس للخيال الغربي، لا باعتباره حكاية مغامرات، بل بوصفه تأمّلا طويلا في الإنسان بعد الحرب.


الفيلم، المقتبس عن "ملحمة هوميروس"، لا ينشغل بإعادة سرد الرحلة الشهيرة لـ "أوديسيوس" بقدر ما يسعى إلى تفكيك معناها. فالبطل الذي يؤدّي دوره مات ديمون ليس ذلك المحارب الأسطوري الذي لا يُقهر، بل رجل أنهكته الحروب، وأصبح طريق العودة إلى الوطن بالنسبة إليه أكثر قسوة من سنوات القتال نفسها. هنا، تُصبح "إيثاكا" فكرة أكثر منها مكانًا، بينما تتحوّل الرحلة إلى مواجهة مستمرّة مع الذاكرة والذنب والخسارة.

هذا التحوّل ينسجم تمامًا مع المشروع السينمائي لنولان. فالمخرج البريطاني لطالما تعامل مع الزمن باعتباره الشخصيّة الحقيقيّة في أفلامه، سواء في "Memento" أو "Inception" أو "Interstellar". وفي "The Odyssey" يستثمر البُنية غير التسلسليّة مرّة أخرى، لكن هذه المرّة ليس لإرباك المُشاهد أو تقديم أحجية سرديّة، بل لجعل الماضي حاضرًا باستمرار، وكأنّ الحرب لا تنتهي بمجرّد انتهاء المعارك، بل تستمر داخل وعي الناجين.

ورغم أنّ الفيلم يمتد على مساحة زمنيّة تقارب ثلاث ساعات، فإنّه يحافظ على إيقاع متوازن يجمع بين المشاهد الملحميّة واللحظات الإنسانيّة الصامتة. فلا يشعر المتلقّي بأنه يُشاهد سلسلة من المغامرات المتلاحقة، بل رحلة نفسيّة تتراكم طبقاتها تدريجيًا حتى تبلغ ذروتها في الفصل الأخير. عندها تصبح العودة إلى الوطن اختبارًا أخلاقيًا أكثر منها انتصارًا عسكريًا.


إحساس بالضخامة

يقدّم نولان واحدًا من أكثر أفلامه إبهارًا، حيث يصنع مع مدير التصوير هويت فان هويتيما صورًا تبدو وكأنّها منحوتة من الضوء والبحر والصخر. فيما يمنح التصوير بتقنيّات "IMAX" المُشاهد إحساسًا حقيقيًا بضخامة الطبيعة، من دون أن تتحوّل الصورة إلى استعراض فارغ.

البحر ليس مجرّد خلفيّة للأحداث، بل كيان حي يبتلع الرجال ويختبر قدرتهم على الصمود، فيما تبدو الجزر والكهوف والعواصف وكأنها انعكاسات للحالة النفسيّة التي يعيشها البطل.

المثير للإعجاب أنّ نولان يواصل تمسّكه بالتصوير العملي (أفلام البوبين 70MM) وبالمؤثرات الحقيقيّة قدر الإمكان، وهو ما يمنح الفيلم ملمسًا واقعيًا نادرًا في زمن أصبحت فيه العوالم الرقميّة هي القاعدة. يشعر المُشاهد بثقل السفن، وبرودة الصخور، وخطورة الأمواج، وكأنّ الفيلم يُعيد الاعتبار للمادّة نفسها بوصفها عنصرًا دراميًا لا مجرّد ديكور بصري.

أمّا الموسيقى التي يوقّعها لودفيغ غورانسون، فتؤدّي دورًا يتجاوز المرافقة التقليديّة للصورة. فهي لا تدفع الأحداث إلى الأمام بقدر ما تضخ داخلها شعورًا دائمًا بالقلق والترقب. كما تمنح الرحلة بُعدًا طقسيًا يقترب أحيانًا من التراتيل القديمة، بما ينسجم مع طبيعة النص الذي يستند إليه الفيلم.


ظهور لا يُنسى

يقدّم مات ديمون واحدًا من أكثر أدواره نضجًا. فهو لا يبالغ في التعبير عن بطولة "أوديسيوس"، بل يُجسّد هشاشته الداخليّة، ويجعل من الصمت أحيانًا أكثر بلاغة من الحوار. و "أوديسيوس" هنا ليس الرجل الذي ينتصر على الوحوش فقط، بل الرجل الذي يخشى أن يكون قد تحوّل هو نفسه إلى واحد منها.

كذلك تمنح آن هاثاواي شخصيّة "بينيلوبي" حضورًا إنسانيًا لافتًا، بعيدًا من الصورة التقليديّة للزوجة المنتظرة.

ولا يُمكننا المرور على أداء الممثلة البريطانيّة سامانثا مورتون من دون وقفة خاصّة. ففي دور الساحرة "كيركي"، تقدّم مورتون واحدًا من أكثر مشاهد الفيلم سحرًا وغموضًا، بأداء يجمع بين الهيبة والهدوء والتهديد الكامن، من دون الوقوع في أي مبالغة مسرحيّة. حضورها الطاغي يجعل الشخصيّة تتجاوز كونها محطّة في رحلة "أوديسيوس"، لتصبح إحدى أكثر الشخصيّات رسوخًا في ذاكرة الفيلم.

أداؤها يُعدّ من أفضل ما قدّمته في مسيرتها، ويستحق أن يمنحها، على الأقل، ترشيحها الثالث لنيل "جائزة الأوسكار".


الأسطورة والإنسان

مع كل ما ذكرناه، فإنّ الفيلم ليس بلا ملاحظات. اختيارات نولان الفكريّة قد تبدو أحيانًا أكثر حضورًا من روح الملحمة الأصليّة. إذ يُقلّص مساحة الآلهة والتدخّلات الأسطوريّة لصالح القراءة النفسيّة والواقعيّة، وهو خيار يمنح العمل بُعدًا فلسفيًا معاصرًا.

لكنّ ذلك قد يترك لدى بعض عشّاق النص الهوميري شعورًا بأنّ شيئًا من السحر الأسطوري قد تراجع أمام هاجس التحليل النفسي. كما أنّ ميل نولان الدائم إلى الكثافة الفكريّة يجعل بعض الحوارات أقرب إلى التأمّلات الفلسفيّة منها إلى الحوار الدرامي الطبيعي. وهي سمة مألوفة في أفلامه، لكنّها قد تخلق مسافة عاطفيّة لدى جزء من الجمهور الذي ينتظر انفعالًا أكثر مباشرة.

غير أنّ هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة الفنيّة للفيلم، بل تؤكد أنّ نولان لا يقدّم اقتباسًا حرفيًا للملحمة، وإنما قراءة شخصيّة جدًا لها. إنّه يتعامل مع "الأوديسة" باعتبارها قصّة عن الإنسان الذي يعود من الحرب ليكتشف أنّ الوطن تغيّر، وأنّه هو نفسه لم يعد الشخص الذي غادره قبل سنوات.

من هنا، نجد أنّ الفيلم لا يسعى إلى منافسة النص الهوميري أو استبداله، بل إلى إعادة طرح أسئلته الكبرى بلغة سينمائيّة معاصرة: ماذا يبقى من الإنسان بعد الحرب؟ وهل يُمكن حقًا العودة إلى البيت، أم أنّ كل رحلة تغيّر صاحبها إلى الأبد؟

بهذا المعنى، لا يقدّم كريستوفر نولان فيلمًا عن الأسطورة بقدر ما يقدّم فيلمًا عن الذاكرة، والهويّة، وثمن النجاة. إنّها ملحمة بصريّة هائلة، لكنّها أيضًا واحدة من أكثر أفلامه إنسانيّة وتأمّلا، تثبت مرّة جديدة أنّ السينما، حين تقع بين يدي مخرج يعرف كيف يُحاور الماضي، تستطيع أن تجعل أقدم الحكايات تبدو وكأنّها كُتبت من أجل حاضرنا.

وإذا كان من فيلم يستحق أن يُشاهَد على شاشة "IMAX"، فإنّ "The Odyssey" يتصدّر القائمة، كونه أول فيلم روائي طويل في تاريخ السينما يُصوَّر بالكامل باستخدام كاميرات "IMAX". هذا الإنجاز التقني غير المسبوق ينسجم تمامًا مع رؤية كريستوفر نولان البصريّة.

لذا ننصح بمشاهدته في صالات "IMAX" أينما كنتم حول العالم، فهي التجربة التي صُمّم الفيلم من أجلها. كما تُتيح للجمهور مشاهدة الفيلم وفق رؤية نولان، بكل اتساعه وقوّته البصريّة.