ما إن تمّ التوافق على ترشيح الوزير جهاد أزعور، الذي اتخذ زخماً بعد تلاقي كتل نيابية وازنة حول اسمه، حتى بدأ البعض في استعادة الوقائع السياسية والاقتصادية للحقبة التي كان فيها المرشح للرئاسة وزيراً للمال، بهدف تهفيت ترشيحه، وخلق شبهات حوله، كشخصية سياسية تتحمل المسؤولية المباشرة عن سياسات مالية واقتصادية لتجربة أطلق عليها «الحريرية السياسية» كشماعة لتحميلها وزر الكوارث السياسية والاقتصادية والمالية حصراً.
ليبدو للوهلة الأولى أنّ الفريق الذي مثّله أزعور، وكأنّه كل مجلس النواب، كل الحكومة، في حين أنّ الواقع مغاير لهذا، وفيه ادعاء طهرانية وتعمية على مشاركة جميع أحزاب الممانعة التي كانت تفرض على الأغلبية النيابية تشكيل حكومات جامعة، وهو الفريق الذي لم يجد حرجاً في أن يشكل منفرداً حكومات اللون الواحد بداية منذ 2011 بعد اسقاط حكومة سعد الحريري الذي كان وقتها في زيارة رسمية للولايات المتحدة.
فالعودة مجدداً إلى تركيز الاتهامات باتجاه فئة دون غيرها على أنّها حقائق لا تقبل الشك، أمر يجب أن لا يمر مرور الكرام، ليس دفاعاً عن أحد، بل رفضاً لاستدراجنا صوب نقاش تضليلي، المتهم فيه غائب ومنكفئ منذ مدة عن العمل السياسي المباشر، وهو بطبيعة الحال حرف للأنظار عن المشكلة الأساسية: الشغور في موقع الرئاسة.
وقد اعتبر أزعور أنه يتعرّض لهجمة تضليل واسعة ترمي إلى تشويه صورته والإساءة إلى صدقيته، حيث أكد أنّ تلك الحملة تستغل القيود التي تفرضها وظيفته في الرد أو التوضيح أو الادلاء بتصريحات، وهو ما يجعل كثيراً مما يتم تداوله يعلق، للأسف، في أذهان الناس، بحسب قول الوزير أزعور نفسه.
إنّ الخطاب السياسي الذي يتأسس على نفي مسؤوليات مطلقيه عما آلت اليه الأمور رغم تواجده في المجلس النيابي والحكومة طيلة السنوات السابقة، يقودنا إلى ثنائية استعلائية: فساد ونزاهة، وطنية وخيانة، حرص وتفريط، فضلاً عن تأسيسه لمفاهيم جديدة تناقض أحكام الدستور اللبناني ونصوصه التي تضمنت آليات عمل البرلمان والحكومة والتعاون بينهما وفقا لمبدأ فصل السلطات.
فهناك متسع من الجدل حول التسليم بحصر المسؤولية في جهة معينة ونفيها عن جهات أخرى لم تفارق جنة السلطة يوماً. هنا المنطق يقول: شركاء في الغنم شركاء في الغرم. فلا موالاة ومعارضة تحت سقف واحد.
لقد تحول مجلس الوزراء بعد «الطائف» مؤسسة قائمة بذاتها، تتخذ قراراتها بالتوافق أو بالتصويت، لتتحمل مكوناتها وزر قراراتها استناداً إلى مبدأ التضامن الوزاري. فالنصاب القانوني لانعقاد الحكومة يتطلب توفر أكثرية الثلثين من الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس الوزراء قانوناً.
ومن أهم المواضيع التي تحتاج إلى أكثرية الثلثين، إقرار الموازنة العامة للدولة التي ترسم السياسة المالية والضريبية للحكومة لسنة مقبلة. وكما هو معلوم لا يمكن فرض ضرائب جديدة الا من خلال مجلس النواب بصفته ممثلاً للشعب، حيث تمّ انتزاع هذه الصلاحية تاريخياً من يد الملوك بعد ثورات شعبية نقلت تلك الصلاحية للبرلمانات المنتخبة. قصارى القول إن المسؤولية تبدأ من التصويت على نيل الثقة لتستمر باستمرار الحكومة.
وبناء عليه هل كان فريق أزعور يمثل ثلثي أعضاء الحكومة ليقرر كل السياسات العامة في جلسات مجلس الوزراء؟ أم كان يمثل غالبية مجلس النواب ليتم التصويت عليها وتصديقها، بما تتضمنه من بنود مالية وضريبية لتصبح قانوناً نافذاً؟ ثم ماذا عن دور الوزراء في وزاراتهم، وكيف أداروا عمليات صرف النفقات والاعتمادات الممنوحة لكل إدارة من إدارات الدولة؟ وكيف تم التعامل مع المال العام، وبأي عقلية؟ ثم أين دور النواب في المحاسبة والمساءلة؟
المهمة الأكثر الحاحاً اليوم هي انتخاب رئيس للجمهورية، والانطلاق نحو انتظام عمل المؤسسات. والمرشحان المطروحان للرئاسة، كلاهما يحظيان بدعم كتل نيابية فاعلة ومحترمة، والذي يفوز من بينهما عليه أن يطبق الدستور، وأن يتم التعامل معه وفق سلوك لا تنفصم عراه عن احترام التزاماته. فالدستور ليس وجهة نظر، وهنا يكمن جوهر المسألة.