هذا ما لا يطرحه الكثير من الكتابات والاعتقادات السارية، فيؤكد على: "الشعب" الفلاني أو "الشعوب" الفلانية.
هذا ما نجد ذكرُه في الدساتير، في القوانين، في برامج الأحزاب والنقابات، فوق ألسنة السياسيين، وفي محاضرات وكتب وغيرها.
هذا ما يرقى إلى البديهيات في حساب هؤلاء كلهم...
كيف لا، ونحن محسوبون على دولة واحدة، وسيدة، حسب الدستور!
كيف لا، ونحن أصحاب الحق الدستوري، ومَن يمحض النواب شرعيتهم الممثلة للشعب المقصود!
ومع ذلك، لنا أن نتساءل عن بلوغ الجماعات والأقوام في هذه البلاد تكوين: "الشعب".
وجب القول، بداية، إن تَعيُّن الناس في "شعب" مسألة متأخرة، فيما كانوا يتعينون في "رعية" في الممالك والأمبراطوريات السابقة.
أي أنهم كانوا تابعِين، وملحقِين بسلطان، بحاكم، من دون أن يكون لهم بناءٌ يَجمعهم في مفهوم نظري أو سياسي أو حقوقي ناظم لهم. ومن دون أن تَجمعهم أيضاً، في وقائع التاريخ وظواهره، بوصفهم كتلة مشاركة في صنع التاريخ السياسي، سواء للناس أو للدولة المعنية.
إذا كنتُ أتحدث عن التشكل التاريخي، والسياسي، قبل الدستوري والحقوقي، للشعب، فإنني لا أُغيٍّب كون هذه التشكلات... اجتماعية في المقام الأول: تشكلات تؤدي إلى انحلال البنى الاجتماعية القديمة، التقليدية، التي كانت تَجمع الناس في "أقوام"، و"قبائل"، و"مِلَل"، لا سيما في الحقبة العثمانية.
ما يمكن تتبعُه ومعاينتُه في هذه الأحوال، هو أنها لم تَشهد تغيرات اقتصادية الطابع، ومؤدية الى تشكلات اجتماعية جديدة. بل شهدتْ هذه الأحوال انتظامَ المجتمع بين "خاصّة" و"عامّة". كما شهدتْ خصوصاً قيامَ نظام "المراتب" و"المناصب" كأساس في دورة الأحوال الاجتماعية.
كذلك فإن التجارة، أو الأعمال الحِرَفية، أو الأعمال الزراعية، لا تؤدي واقعاً إلى تشكلات جديدة، إلى "خلطة" تطيح الأقوام، وتُبرز توزعاً جديداً للثروة، بما يصيب الناس حسب أعمالهم، لا حسب مواقعهم التقليدية الثابتة. أما ما عرفتْه أحوالُ التاريخ من "ثورات"، فلا يعدو كونها "هبّات" من الاعتراض، الضريبي بشكل خاص.
ولم تكن تخرج هذه "الثورات" عمّا كانت عليه البنية المتقادمة، ولم تُعبِّر عن تشكلات وتبدلات فيها.
لهذا لم تنعم المشروعات السياسية الناشئة في نهايات القرن التاسع عشر، بوجود "شعب" تستند إليه، ولا تُعبِّر خصوصاً عن تطلعات كتلة تاريخية حادثة.
أما ما ادّعاه بعض الأمراء والضباط والمثقفين من كلام ومعان وشعارات عن "الأمة"، و"الشعب"، وغيرها فلا يعدو كونه حديثَ كتب، حديثَ خطاب أوروبي، ولا يوافق بأي حال أحوال الناس.
هذا ما عناه، على سبيل المثال، استناد حُكم "الضباط الأحرار" في مصر إلى حزب-ركيزة: "اتحاد قوى الشعب العامل"، فيما عنى الشعب، في هذا المشروع، إلغاء الأحزاب، بدل أن تكون، هذه، التعبيرات السياسية الضرورية لهذا الشعب.
هكذا يَجمع اختلافٌ في تفسيرِ واقعةٍ دينية فئات من دون غيرها، فيما لا يَجمع بينهم قمعٌ أو استغلال.
والاختلاف في واقعةٍ جرتْ قبل أزيد من ألف سنة، من دون شهود، يَجمع ويُفرِّق "الشعب" المفترض...
من دون تغيرات اقتصادية واجتماعية في هذه البنية المتقادمة.
يبدو الحديث عن "شعب" (وما يصدر عنه من "ثورات" وغيرها) حديثاً متخيلاً، لا سند له.