في تاريخ هذا الشرق الذي تكسّرت عليه إمبراطوريات وبقيت فيه الهويات، لم تكن الكنيسة المارونية يوماً تفصيلاً عابراً، بل كانت مشروع حضور وحرية. والجماعات لا تقاس بعددها، بل بما تضيفه إلى معنى العيش المشترك. من إرث مار مارون ومنذ أن حمل بذرة مسارٍ روحيٍّ تحوّل لاحقاً إلى هوية، لم تكن المارونية انكفاءً على الذات، بل انفتاحاً صعباً في جغرافيا صعبة. ومع يوحنا مارون، لم يتأسّس مجرّد مقام كنسي، بل وُضعت لبنةُ كيانٍ يرفض الذوبان، ويبحث عن صيغةٍ يعيش فيها المختلفون بلا إلغاء وإلى قيام الكيان على يد يوحنا مارون، تشكّلت معادلة مختلفة: إيمان لا ينعزل، وهوية لا تُختزل، ودور يتجاوز الطائفة إلى فكرة الوطن.
هنا تبدأ الحكاية التي يُساء فهمها عمداً...
فما يُسمّى “المارونية السياسية” لم تكن يوماً عقدَ امتيازٍ دائم، بل محاولةَ ترجمةٍ لفكرة الدولة في بيئةٍ كانت، في معظمها، تعيش خارج منطق الدولة. صحيح أنّ التجربة في بعض الأحيان لم تخلو من الأخطاء، كأي تجربة بشرية، لكن الصحيح أيضاً أنّها ساهمت بشكل كبير في بناء الإدارة والمؤسسات والتشريعات الدستورية، وتثبيت الكيان، وصياغة عقدٍ وطنيٍّ جعل من لبنان أكثر من مساحةٍ جغرافية.
على امتداد هذا المسار، لم تكن بكركي مجرد صرحٍ ديني. كانت، في لحظات الانكسار، بوصلةً سياسية أخلاقية. حين ضاعت السيادة، قال نصرالله بطرس صفير كلمته ودفع ثمنها حيث واجه الوصاية باسم السيادة. وحين اشتدّ الاختناق، أعاد بشارة الراعي طرح الحياد لا كترفٍ فكري، بل كآلية إنقاذٍ لدولةٍ تتآكل من داخلها وتُستنزف من خارجها فبقيت بكركي أكثر من مرجعية دينية: كانت مرآة قلق الوطن وصوته حين يصمت الآخرون.
ولذلك تحديداً، لم يكن التطاول على بكركي تفصيلاً عابراً او صدفة. فالاستهداف هنا ليس لشخصٍ أو لموقفٍ آني، بل لمرجعيةٍ تقول إنّ الدولة يجب أن تكون مرجعية الجميع. وحين تُطرَح هذه الفكرة، تُستفَزّ تلقائياً كل بنيةٍ ترى في نفسها بديلاً عن الدولة أو فوقها. فحين يُعاد فتح نقاش الدولة والسيادة، تبدأ حملة التشويه والتخوين لأن المسألة لم تعد سجالاً، بل صراع مشروعين خاصة أن كسر السقف الرمزي هو تمهيد لكسر السقف السيادي.
فما نشهده في الآونة الأخيرة من صورٍ مهينة، ورسوماتٍ تتعمّد كسر الرمزية، ولغةٍ تخرج عن كل سقف ليس “فلتة” على
هامش النقاش بل انزلاق مقصود إلى ضرب الرموز فحين ين تُستبدل صورة رأس مرجعية دينية بحذاء عسكري، لا يعود الأمر نقداً ولا سخرية، بل يتحوّل إلى رسالةٍ تُختصر بكلمة واحدة: الإذلال فإهانة سيدنا الراعي ليست حادثة… بل إعلان حرب على فكرة الدولة.
وهذه ليست معركة رأي بل إنها محاولة لجرّ الخطاب العام من مستوى السياسة إلى مستوى الإهانة، ومن الاختلاف إلى الإلغاء الرمزي. والنتيجة ليست تسجيل نقاط، بل تفكيك ما تبقّى من قواعد العيش المشترك.
فالمشكلة، في جوهرها، ليست خلافاً بين طوائف، بل بين منطقين متناقضين. منطقٌ يؤمن بأنّ لبنان لا يقوم إلا بدولةٍ واحدة وبحدود واضحة وبقرار مركزي وبمؤسسات شرعية تحتكر القرار والسلاح، وتُخضع الجميع لقانونٍ واحد. ومنطقٌ آخر يكيّف الدولة مع موازين قوته، ويعيش فوقها. فيتقدّم عليها حين يشاء، ويتراجع إليها حين يحتاجها، ويتركها تتحمّل نتائج قراراتٍ لا تملكها. ولا يعترف بحدودها إلا حين تخدمه، ولا بمؤسساتها إلا حين تواكبه.
هنا لا يعود الخلاف نظرياً بل يصبح سؤالاً وجودياً: هل لبنان دولة… أم ساحة؟
لا يمكن لأي بلد أن يعيش بمنطق جيشين، ولا برؤيتين متناقضتين للسيادة. ولا يمكن لمجتمع أن يستمر إذا بقي جزء منه يدفع ثمن قرارات لا يملكها. ففي هذا الاشتباك الصامت، تُستنزف البلاد الاقتصاد ينهار لأنّ القرار موزّع والمؤسسات تضعف لأنّ مرجعياتها متعدّدة والمجتمع ينقسم لأنّ سرديّاته تتناقض حول معنى الوطن نفسه.
أما المسيحيون في هذا الشرق لم يكونوا يوماً جماعة تبحث عن حماية. كانوا تاريخياً في صلب الدفاع عن فكرة وصناعة الكيان، وفي الدفاع عن فكرة الدولة. واليوم، حين يُعاد طرح هذه الفكرة، لا يُفترض أن يُفهم ذلك كاستفزاز، بل كنداء أخير قبل السقوط الكامل. فهم اليوم أمام مفترقٍ حاسم. إما أن يتحوّل دورهم إلى مجرد ذكرى في كتب التاريخ، أو أن يستعيدوا موقعهم الطبيعي كقوةٍ تدفع نحو قيام دولةٍ فعلية، لا دولةٍ اسمية.
وهنا تحديداً تُفهم حساسية خطاب بكركي فالدعوة إلى الحياد ليست انسحاباً من الصراعات، بل خروجاً من لعبة المحاور التي حوّلت لبنان إلى ساحة. هي محاولة لإعادة تعريف دور البلد: من خط تماسٍ دائم، إلى مساحة توازنٍ واستقرار لكن أي دعوةٍ كهذه ستصطدم حتماً بمن يرى في استمرار الاشتباك مصدر قوة لأن الاستقرار يقيّد، والدولة تنظّم، والقانون يحدّ وهذه أمور لا تتماشى مع بنىً اعتادت الحركة خارج القيود
من هنا، يصبح السؤال أبعد من حادثة أو تصريح هل اللبنانيون مستعدون للاتفاق على معنى واحد للدولة؟
وهل يقبلون بأن يكون احترام الرموز الدينية خطاً لا يُمسّ، لأن كسره يفتح الباب لكسر كل شيء؟
وهل يمكن أن يجتمعوا على قاعدة أنّ السلاح يجب أن يكون بيد جهةٍ واحدة، وأن القرار السيادي لا يُجزّأ؟
لبنان اليوم لا يقف على حافة أزمة عابرة، بل أمام اختبار تعريفه لنفسه. فإمّا أن يُحسم خياره كدولةٍ كاملة السيادة، أو يبقى معلقاً في منطقة رمادية، حيث لا حرب تُحسم ولا سلام يُبنى ومساحةٌ مفتوحة لتصفية الحسابات، حيث تبدأ الإهانة بصورة… وتنتهي بانهيار المعنى.
في النهاية، لا تُحسم هذه المواجهة بالشتائم، بل برسم الحدود حدود الدولة، وحدود الخطاب، وحدود ما يُسمح بكسره… وما يجب أن يبقى مصوناً ولا تحسم الشعارات هذا النوع من الصراعات، بل تحسمه القرارات الكبرى والقرار الأكبر اليوم ليس من ينتصر على من، بل أي لبنان يريد اللبنانيون أن يعيشوا فيه لبنان الدولة… أم لبنان الساحة التي يستبدل مرتزقتها الرأس بالحذاء.
سيدنا الراعي.. الخط الأحمر الذي كُسر هو من كرامة البطريرك إلى كرامة الوطن. نحن ندرك أنّ ما جرى لم يكن تفصيلاً عابراً، بل مساساً بجوهر ما تبقّى من هيبة هذا البلد.
نحن نعرفك جيداً… صلباً كالصخر، ثابتاً كالجبل، وروحك لا تُقهر. صليبك ليس مجرد رمز على صدرك، بل مسار طويل من الصمود الذي علّمتنا من خلاله أنّ البناء يحتاج إلى صبر السنين، فيما الهدم قد يحدث في لحظة طيش
اليوم، نقف أمامك لا لنواسيك فأنت أكبر من أن تُهزّ بل لنقول إن ما أصابك أصابنا جميعاً. ونتقدّم منك بطلب الصفح، كما علّمتنا، وأن تغفر لهم لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون.
لكننا في الوقت نفسه نعتذر لك باسم الكرامة التي جُرحت، وباسم وطنٍ لم يعد يحتمل المزيد من الانحدار. فبناء الدولة ليس شعاراً، بل مسؤولية والانخراط فيها ليس خياراً عابراً، بل امتحان شجاعة، شجاعة الالتزام بقانون واحد، ومرجعية واحدة، وسقف واحد أما كسر الرموز، فلن يبني وطناً… بل يكشف عجزاً عن مواجهته.
سيدنا...
ستبقى بكركي مرجعية لا تُمسّ، وسيبقى هذا الوطن رغم كل شيء يبحث عمّن يبنيه، لا عمّن يكسّره. والبناء هو قرار لا يملكه الا الشرفاء لا العملاء لولاية الفقيه، التي لا تشبهنا ولا حتى تشبه إخوتنا المعتدلين في الطائفة الشيعية الكريمة، والذين باتوا بأغلبيتهم بريئين من دم الخونة وتجار الفضة في الهياكل التي تفتخر بإيران وتتشرف بها.