ميشال الدكاش

متى يقترب موعد الجلاء الكبير؟

6 دقائق للقراءة

أخطرُ الاحتلالات ليست تلك التي تعبر الحدود، بل تلك التي تجعل الشعب يخاف بعضه باسم الوطن. فليست كلّ الاحتلالات جيوشاً ودبابات… بعضها أنظمةٌ تسكن وعي الشعوب باسم الدولة.

ثمّة مفهومٌ غير مُعلَن حكم لبنان لأكثر من مئة عام، يمكن تسميته بعقدة السيطرة على المركز. وهي نزعة سلطوية تُصيب الجماعات حين تتحوّل السلطة المركزية، بحكم طبيعة النظام السياسي، من أداةٍ لإدارة الدولة إلى غنيمة وجودية. عندها، لا يعود الهدف بناء الوطن، بل احتلال الدولة من الداخل. وهذا، في جوهره، ما فعله اللبنانيون منذ ولادة الكيان؛ إذ لم نبنِ دولةً فعلية، بقدر ما أنشأنا ساحة صراعٍ ناعمة تُدعى "المركز"، تتناوب المكوّنات الطائفية على اقتحامها كلّما تبدّلت موازين القوى، كما كانت الجيوش القديمة تقتحم القلاع للاستيلاء على النفوذ والتنعّم بمغانم السلطة.

لبنان الواقعي مازال فعلياً في طور التأسيس، فهو لم يفشل حتى الآن بسبب تنوُّع شعبه، بل لأن نظامه المركزي حوّل هذا التنوّع إلى مشروع تقاتل دائم. فالمركزية في مجتمع متعدّد ليست إدارة، بل استفزاز يومي لغرائز المكونات. وحين يصبح قرار الكهرباء، والقضاء، والاقتصاد، والحرب، والسلام، محتجزاً داخل غرفة ضيّقة في العاصمة المركزية، يصبح الاستيلاء على تلك الغرفة، معركة حياة أو موت لكل مكوّن يشعر بأن سقوطه خارج المركز يعني سقوطه خارج التاريخ.

هكذا وُلدت طبقة "مُسيطِرو المركز". هؤلاء ليسوا طائفة واحدة، بل ذهنية سياسية عابرة للطوائف. إنهم أولئك الذين حكموا لبنان بعقلية الإمبراطورية المصغّرة: مرةً باسم العروبة، ومرةً باسم المقاومة، ومرةً باسم الميثاق… لكن النتيجة كانت دائماً واحدة: إخضاع بقية المكوّنات لمن ينجح في الإمساك بعنق الدولة المركزية.

منذ إعلان دولة لبنان الكبير، عاش لبنان سلسلةً متواصلة من انقلابات السيطرة على المركز. فكلّ مرحلة كانت تُنتج "مُسيطِراً" جديداً يفرض رؤيته وهويته على الآخرين تحت شعار حماية الوطن. وهكذا تحوّل النظام إلى ماكينة خوف جماعي، تُولّد الصراعات المستدامة والتنازع السلطوي، بدل أن يكون عقد شراكة وطنية حقيقية.

ولهذا تحديداً، يفشل اللبنانيون حتى اليوم في الاتفاق على مفهوم السلام. ففي الأنظمة الطبيعية، يُجسّد السلام اتفاقاً بين دولةٍ ودولة، أمّا في لبنان، فهو صراعٌ بين جماعاتٍ تخشى أن يتحوّل أيّ سلامٍ خارجي إلى انتصارٍ داخلي لفريقٍ على آخر. فالبعض يرى السلام مع إسرائيل تسويةً سياسيةً ممكنة، وربما الاحتمال الأخير الذي يحفظ الاستقرار، ويضع حدّاً لحمّام الدم وجرف القرى والكرامات، فيما يراه البعض الآخر خيانةً وجودية تمسّ جوهر عقيدته وهويته. وبين النظرتين، يقف "الوعاء المركزي المثقوب" عاجزاً عن إنتاج قرار واحد يُشبه جميع المكوّنات.

ولهذا السبب، علا بالأمس تهافت كل مكوّن لبناني للمطالبة بوجود "ممثل شرعي" خاص به على طاولة التفاوض سلوكًا غريزيًا دفاعيًا بامتياز، فالأمر لا يتوقف عند حدود المحاصصة السياسية والمغانم التقليدية فقط كما جرت العادة، بل ينبع من الخوف الوجودي من صياغة مصير جماعي قسري لا يشبه خياراتهم التاريخية.

المأساة أن اللبنانيين ما زالوا يتعاملون مع النظام المركزي كأنه مقدّس دستوري، رغم أنه أثبتت عملياً أنه أكبر مصنع للكراهية في تاريخ لبنان الحديث. فهو لم يحمِ التعايش بين المكونات المتعددة، بل حوّل كل طائفة إلى مشروع انقلاب مؤجل. كما أنه لم يصنع المواطنة، بل صنع جيوشاً نفسية تنتظر تبدّل موازين القوى لتعيد فتح الحرب بأسماء جديدة.

ولأننا أبدعنا في التكاذب على أنفسنا منذ عقود، اخترعنا مصطلحات تجميلية مثل "الشعب الواحد"، و"الوحدة الوطنية"، و"العيش المشترك"، بينما الواقع السلوكي يقول إن اللبنانيين يعيشون في هدنة نفسية لا في وطنٍ مستقر. فهل نحن نثق ببعضنا بما يكفي لنترك قرارنا المصيري بيد مركزٍ واحد؟ أم أننا نخشى أيضاً الاعتراف بأن هذا النظام المركزي قد فشل فشلاً ذريعاً في إدارة التعددية، وأنه، احتراماً للإنسان، يجب العمل على بديلٍ جدّي يحفظ كرامة الفرد وطموحاته؟

التاريخ لا يرحم الإنكار. كل الشعوب المتعددة التي نجحت في إدارة شؤون ذاتها بطريقة سلمية مستدامة، نجحت لأنها فهمت حقيقة بسيطة أنه لا يمكن حماية التنوّع عبر صهره بالقوة داخل مركز واحد. سويسرا لم تستقر لأنها أقل اختلافاً من لبنان، أو أكثر رقيّةً، بل لأنها لم تحوّل العاصمة إلى غنيمة لغويّة ثقافية. أما نحن، فحوّلنا بيروت إلى نسخة نفسية شبيهة لروما القديمة؛ من يسيطر على المركز يكتب الرواية، ويوزع الشرعية، يستلم فحوصات الدم الوطنية، ويحدد من هو الوطني ومن هو الخائن والعميل.

لهذا، فإن أي سلام مستدام في لبنان لن يولد من الخرائط الدولية ولا من القرارات الأممية ولا من طاولات التفاوض وحدها. السلام الحقيقي يبدأ يوم يتوقف اللبناني عن الخوف من شريكه في الوطن. وهذا لن يحصل طالما بقيت الدولة المركزية أداة ابتزاز وجودي بين المكوّنات.

الحل لا يكون عبر محاولة صهر مجتمعٍ مركّب داخل نظامٍ أحاديّ جامد، لأنّ أبسط قواعد علم السياسة تُثبت أنّ المجتمعات المتعدّدة لا تستقرّ إلا عبر أنظمةٍ تُشبه تركيبتها البنيوية. فكلّما كان المجتمع متنوّعاً، احتاج إلى نظامٍ سياسي أكثر مرونةً وتركيباً، قائم على التعدديّة الحاضنة للتنوّع، لا على مركزيّة تحاول قسر الجميع داخل وعاء واحد. نظامٌ يعترف بالخصوصيات بدل إنكارها، ويمنح المكوّنات القدرة على إدارة شؤونها اليومية ضمن إطار دولة تحمي الجميع، لا مركز يحاول ابتلاع الجميع… سمّوه ما شئتم يا سادة، فنحن نريد أن نأكل العنب لا أن نقتل الناطور.

فالإنسان، حين يشعر بالأمان على ثقافته وخياراته ووجوده، يتوقّف تلقائياً عن تحويل السياسة إلى حرب أهلية مؤجّلة. أمّا حين يشعر بأنّ مصيره معلّقٌ بمن يسيطر على "القصر المركزي"، فإنّه يتحوّل إلى مقاتلٍ دائم، حتى لو ارتدى بدلةً دبلوماسية، وأتقن تنميق التعابير وتجميلها. وعندها فقط، ترتقي المنافسة السياسية من صراعٍ على السيطرة إلى تنافس على جودة المشاريع والرؤى؛ فيصبح التحدّي الحقيقي: مَن يقدّم النموذج الأفضل للبنان، لا مَن ينجح أكثر في احتلال المركز والتحكّم بمصير بقيّة المكوّنات على حساب كل لبنان.

ربما آن الأوان لطرح سؤالٍ شجاع وبكل صدقٍ: هل يحتاج لبنان إلى لحظة جلاءٍ جديدة، لكن هذه المرّة عن نظامه المركزي نفسه؟ فكما نقش اللبنانيون الأحرار على صخرة نهر الكلب أسماء الجيوش الأجنبية التي مرّت من هنا ثم رحلت خارج التاريخ، هل يأتي يوم تُعلَّق فيه لوحةٌ جديدة يُكتب عليها: "هنا يرقد النظام المركزي اللبناني… قاتلُ الجمهورية باسم الدولة"؟ وهل عندها فقط يبدأ لبنان بالخروج من عقدة السيطرة على المركز، والدخول أخيراً في مرحلة الدولة الحاضنة للتنوّع… لا الغلبة؟