ريتا ابراهيم فريد

تطوّع في مستشفى رفيق الحريري الحكومي د. محمد بولاد: نحن أيضاً مسؤولون عن أمن الوطن

5 دقائق للقراءة

هم نبض الحياة الذي يتّسع لكلّ ما في الكون من أمل. هم القلب الأجمل. النور الذي سيكتمل بالشفاء، والتضحية المتوهّجة بالإنسانية. هم ثقتنا الدائمة بأنّنا سننتصر على المرض، وبأنّ أيّ وباء سيرضخ ذليلاً أمام جهودهم الجبّارة. هم الموعد المقبل مع الحياة. لهم ترفع كل القبّعات. لهم أغنية أحمد قعبور: "وأهديكم ضيا عينيّ ودفء القلب أعطيكم".

الدكتور محمد بولاد، طبيب متطوّع في مستشفى رفيق الحريري الحكومي، يروي لـ"نداء الوطن" تجربته.


الناس اليوم باتوا على يقين بأنّ الجسم الطبي هو خطّ الدفاع الأول ضد الكورونا، وقدّروا جهودكم عبر أساليب عدة، إضافة الى حملات واسعة من التأييد والشكر. ماذا يعني لكم هذا التقدير؟


نقدّر كثيراً كل أنواع الدعم التي تلقّيناها من الناس. ونحن كمتطوّعين وكأطباء كان الأهمّ بالنسبة لنا الدعم المعنوي، لأنه يحثّنا على الإستمرار في تأدية هذه الرسالة الإنسانيّة. كما أنّ الدعم الماديّ مهمّ جداً بالنسبة للمستشفى ويساعد على تأمين المعدّات اللازمة لمواجهة هذا الوباء.


ماذا عن مبادرة التصفيق للجسم الطبّي التي عمّت كل لبنان؟


هذه "الزقفة" رفعت من معنويّاتنا. وأنا كنت متواجداً في المستشفى عندما أدّى عناصر قوى الأمن التحيّة لنا، وهي خطوة جعلتنا نشعر بالفخر، وبأنّ سياج الوطن يتشكّل من العسكريين ومن الأطباء على حدٍّ سواء، وبالتالي تظهر أننا كجسم طبّي مسؤولون أيضاً عن حماية أمن البلد.



هل تردّدت قبل مباشرة العمل في قسم الكورونا؟ وما الذي دفعك الى أخذ هذه المخاطرة؟


لم أتردّد لحظة واحدة، فهذه رسالتنا. رغم أنّ علاقتنا مع عائلاتنا تأثّرت. ابتعدنا عنهم، امتنعنا عن تبادل السلام معهم، وانحرمنا من تقبيلهم. لكنّ ضميرنا وإصرارنا على تأدية واجبنا يفرض علينا أن نكون في قسم الكورونا. إضافة الى ذلك فإنّ عدداً من الأطباء الذين لم يلتحقوا منذ البداية في قسم الكورونا لأن العدد حينها كان كافياً، أصرّوا وطالبوا بإلانضمام الى هذا القسم، وتمّت الاستجابة لطلبهم.


نشرت مقطع فيديو من داخل المستشفى وأنت تؤدي أنشودة "سوف نبقى هنا كي يزول الألم". الطريقة كانت مؤثّرة جداً وأعطت أملاً وتفاؤلاً للكثيرين. أنتم اليوم كأطباء، ما الذي يعطيكم دفعاً وقوة للاستمرار؟


صحيح نشرتُ الفيديو وكان الهدف منه أن نرفع من معنويّات الناس، وأن يدركوا أنّ هناك من يقف الى جانبهم ويدافع عن أمنهم الصحيّ. في المقابل، ترتفع معنوياتنا كأطبّاء عندما نلمس إلتزام الناس بالتوجيهات لناحية بقائهم في منازلهم من جهة، وعندما نقرأ التعليقات الجميلة والداعمة من جهة أخرى. فالبعض يكتب أن قلبه معنا، البعض يصفنا بالجنود المجهولين، والبعض الآخر لا يخفي تعاطفه معنا. نحن بالتأكيد لا نريد أيّ مقابل لما نقوم به. لكن لا شكّ أننا حين نسمع ونقرأ الكلمات المؤيّدة والداعمة لنا والمنصفة بحقّنا، نكون سعداء ومندفعين أكثر فأكثر.



الدكتور محمد بولاد



ما هي الإجراءات الوقائية التي تأخذونها حين تعودون الى المنزل بعد الانتهاء من العمل في المستشفى؟


عندما نعود الى المنازل نخلع كلّ ملابسنـا ونضعها مباشرة في آلة الغسيل ونستحمّ على الفور. كما نلتزم بعدم الإقتراب من أفراد العائلة وعدم معانقتهم أو تقبيلهم. ونحرص على تناول الطعام والشراب بأوعية خاصة بنا.


ما رأي أسرتك في هذا الموضوع؟


يشعرون بالفخر بما أقوم به بالطبع. لكنّني قادر على رؤية الخوف مرتسماً على وجوههم، علماً أنهم لا يعبّرون عن ذلك بصراحة كي لا يؤثروا عليّ سلبياً، لأنّهم يعلمون أنه عليّ تأدية واجبي.


ماذا تقول للذين لم يفهموا بعد ضرورة البقاء في المنزل لحماية أنفسهم ومساعدة الجسم الطبي كي ينتصر على هذا الوباء؟


أقول لهم أننّا كجسم طبّي نبذل قصارى جهدنا، لكنّ ذلك لا يكفي أبداً. فخلال الأسبوعين الماضيين كان الإلتزام جيّداً، وبالتالي لمسنا نتيجته الإيجابية من خلال تراجع عدد الإصابات الجديدة. لكن للأسف شهدنا خلال الأيام القليلة الماضية على تراجع في الإلتزام، حيث بدأت الحركة بالعودة الى طبيعتها في الطرقات، وطبعاً سنرى عواقب ذلك خلال الأسبوعين المقبلين. من المهمّ أن يفهم الجميع أنّ انخفاض الأرقام لا يعني إطلاقاً أنّنا انتهينا من هذا الوباء، فنحن ما زلنا في قلب المعركة ويجب على الجميع الإلتزام بالتعبئة العامة والبقاء في المنازل. نقول للجميع: من واجبكم الإنساني والوطني أن تلتزموا بالبقاء في المنازل كي تساعدوا الجسم الطبي، وكي تحافظوا على أرواح من تحبّون، وعلى أرواح كبار السنّ، وعلى أرواح الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة.


كيف ترى وضع لبنان بالنسبة لانتشار الوباء اليوم؟


لا يمكن أن نقول أن الوضع في لبنان جيّد، لكن في المقابل ليس كارثياً. الوضع مقبول وعدد الإصابات مقبول وعدد الوفيات متدنٍّ. لكن سرعة الانتشار وتضخّم الأرقام هي اليوم في يد كل مواطن، فإذا استمرّوا في مخالفة توصيات وزارة الصحّة، سنكون مقبلين على كارثة صحيّة. أمّا إذا التزمنا، فسنصل إلى نتيجة جيدة ونعود الى حياتنا الطبيعية في أقرب فرصة.