جنى جبّور

مطاردة عالمية لمحاصرة "هانتا"... هل أعادت السفينة التائهة شبح "ووهان"؟

4 دقائق للقراءة

من "كورونا" التي حبست أنفاس العالم، إلى "جدري القردة" الذي أثار ريبة المجتمعات، وصولًا اليوم إلى فيروس "هانتا". يبدو أن البشرية باتت تعيش في سباق محموم مع أوبئة تظهر تباعًا لتشغل المختبرات وتتصدر عناوين النشرات الإخبارية.

فما زالت "ووهان" شاهدًا حيًا في ذاكرتنا على أن المسافات مجرد وهم، وأن شرارة وبائية قد تنطلق من سوقٍ ناءٍ لتجتاح العالم. لذا، فإن ما يحدث اليوم على متن سفينة تائهة في المحيط الأطلسي لم يعد مجرد خبرٍ عابر، بل بمثابة إنذار بأن عتبة منازلنا ليست ببعيدة عن أي خطر مجهري يتربص خلف البحار.

في قلب "باتاغونيا" الأرجنتينية، بدأت فصول قصة لم يتخيل ركاب السفينة السياحية "إم في هونديوس" (MV Hondius) أنها ستتحول إلى مطاردة وبائية عابرة للقارات. 147 شخصًا من 23 جنسية، شقوا مياه الأطلسي بحثًا عن المغامرة، بينما كانت العدوى تتسلل صامتة بين أروقة السفينة، في رحلة يُرجح أن شرارتها الأولى كانت ملامسة عابرة لفضلات قوارض ملوثة قبل الإبحار. لم تتأخر المأساة في الكشف عن وجهها الشاحب. فسرعان ما فارق الحياة ثلاثة أشخاص: زوجان هولنديان ومواطن ألماني، لتؤكد منظمة الصحة العالمية لاحقًا إصابة خمسة آخرين، وتضع ثلاثة تحت مجهر الاشتباه. ليس هذا فحسب، حتى أنّ الطاقم الطبي وجد نفسه في المواجهة بعدما أصيب طبيب السفينة أثناء أداء واجبه. وتسابق شركة "أوشن وايد إكسبيديشنز" التي تملك السفينة الزمن الآن لتتبع بيانات كل من وطئت قدماه السفينة منذ 20 آذار الماضي، في محاولة يائسة لمحاصرة الوباء قبل أن يتفشى.


هالة الرعب

تستمد سلالة "الأنديز" خطورتها الاستثنائية من خرقها للقواعد البيولوجية لعائلة "هانتا"، فهي تمتلك قدرة نادرة على الانتقال المباشر بين البشر عبر الرذاذ أو الاتصال الوثيق. هذا التمرد تضاعفه فترة حضانة قد تمتد لثمانية أسابيع، ما دفع الدول لاستنفار غير مسبوق لاقتفاء أثر الركاب الذين غادروا السفينة قبل اكتشاف الفيروس. ففي جزيرة "سانت هيلينا"، بات سبعة بريطانيين وستة أميركيين تحت الرصد اللصيق، بينما تراقب المراكز الأميركية (CDC) حالات في ولايات جورجيا وأريزونا وتكساس وكاليفورنيا، رافضةً التهاون مع فيروس يفتك بنحو 40% من ضحاياه عبر فشل تنفسي حاد.

لم يتوقف الرعب عند حدود السفينة، بل امتد ليشمل قطاع الطيران، إذ اضطرت شركة (KLM) الهولندية لإنزال السيدة الهولندية المشتبه بكونها المريض صفر من طائرة في "جوهانسبرغ" يوم 25 نيسان الماضي، إثر تدهور حاد في حالتها الصحية أدى لوفاتها قبل بلوغ موطنها. على الاثر، نُقلت مضيفة طيران إلى مستشفى في أمستردام للاشتباه في إصابتها، بينما تُجرى فحوصات يومية لكل المخالطين. وفي غضون ذلك، نُقل مريضان إلى هولندا، بينما استقبلت عيادة جامعة "دوسلدورف" امرأة ألمانية، وتأكدت إصابة رجل في سويسرا، وسط نصائح بالعزل الاحترازي للعائدين إلى الدنمارك وكندا.


بين الحقيقة و"التروما"

في محاولة لتهدئة حالات الذعر، أكدّت مديرة إدارة الأوبئة بـ "الصحة العالمية" ماريا فان كيركوف أنّ "هذا ليس "كورونا"، بل هو فيروس مختلف تمامًا والوضع الحالي مختلف كليًا عما كان عليه قبل ست سنوات". فالمنظمة تؤكد أن "الابن المتمرد" لا يملك قدرة "كوفيد-19" على الانتشار الكاسح، وأن الخطر على العامة لا يزال منخفضًا. ومع اقتراب السفينة من جزر الكناري، حيث ينتظر عشرات الركاب النزول يومي السبت أو الأحد، تعمل المنظمة على بروتوكولات عودة دقيقة، خاصة وأن المتبقين لا تظهر عليهم أعراض حاليا.

ورغم مؤشرات الطمأنة، يمكن تفسير الاستجابة الدولية الحذرة تجاه تفشي "هانتا" كإجراء احترازي تفرضه الذاكرة الوبائية الحديثة. فمن الناحية التحليلية، شكلت جائحة 2020 نقطة تحول في آليات الرصد والاستجابة، حيث استُبدل مبدأ "الانتظار والتحقق" بمنظور "السيناريو الأسوأ" كآلية دفاعية استباقية. ويستند هذا القلق المكتسب إلى معطيات واقعية تؤكد أن سرعة النقل الجوي والبحري تجعل من أي بؤرة صحية نائية تهديدًا محتملًا للأمن الصحي العالمي في غضون ساعات.

وبناءً عليه، وبينما تظل حركة السفر العالمي خالية من القيود القانونية حتى الآن، تركز السلطات الصحية جهودها على المراقبة الوبائية في نقاط الوصول الرئيسية وجزر الكناري، بهدف احتواء سلالة "الأنديز" ومنع تحولها من تفشٍ محصور إلى أزمة صحية واسعة النطاق.