«وَلَيسَ يَصِحّ في الأفهامِ شيءٌ... إذا احتَاجَ النّهارُ إلى دَليلِ» (المتنبي)
على عكس ما يُشاع، فإنّ دعوة حزب ولاية الفقيه للقوى السياسية للحوار هي دعوة صادقة وجدّية وغير مرتبطة بفرض مرشح معين، وبالأخص البكّ، إلا أنّ أفضليته هي أنه موافق مسبقاً، وربما عن التزام وقناعة «وطنية»، بسلّة شروط مسبقة للسنوات الست القادمة، هذا بالطبع متى قدمت، وهو أمر غير محدّد حتى الآن.
قولي بأفضلية، وليس بالضرورة حصرية، البكّ مرتبط بقناعتي بأنّه جزء من طبخة الممانعة المحلية والإقليمية، ترغيباً وترهيباً، وهو ربما مقتنع وجدانياً بصحتها. أو أنّه، بواقعه السياسي شبه المعزول مسيحياً، لا يرى لنفسه مجالاً لتحقيق طموحه الذاتي بالوصول إلى رئاسة الجمهورية إلا بالانغماس، كما فعل من سبقوه، بمعسكر «ناجح» في تحقيق الطموحات، بغضّ النظر عن الأهليات والكفاءات.
وبالحديث عن العزل، فهو ربما علّة مزمنة يشكو منها سكان الأطراف في الطوائف، بالرغم من الكتل النيابية المستحدثة التي تحاك من أجلهم، حتى ولو نجحوا منفردين في دوائرهم. لكن المهم هو أنّ البكّ، فوق رغبته الجامحة في ضمان إرثه العائلي، وتجاوز المتغيرات الحاصلة في المزاج الزغرتاوي، يريد أن يضمن لورثته ما استحصل عليه من جدّه من أفضلية استخدام الموقع الرئاسي لتجديد قاعدته الانتخابية بالمحسوبيات والهيبة، من أجل توريثها للأبناء والأحفاد.
لكن، وحتى لا يضيع المستجدّون في فهم السياسة، فإنّ البكّ نفسه لا يمكنه أن يكون حكماً حتى ولو تحلّى بالحكمة في الكلام، فتاريخ المرء شاهد عليه. وهذا موجّه بالذات للنوّاب الذين لم يحسموا أمورهم، وبالأخص من السنّة.
لا يكفي لمن يتولّى المسؤولية أن يكون صريحاً وصاحب موقف ليتولّى المسؤولية، فصراحته بالذات تعلن أنّ موقفه سيكون منحازاً لما هو مرتبط به إمّا بحكم القناعة أو بحكم الحاجة أو الإثنين معاً. يعني أنّ صفة الصراحة الشخصية، وهي محبّبة، لا تعني بأنّه المؤهل ليكون حكماً في بلد منقسم، بل زعيماً على فئة مقتنعة أو مرتبطة به، أو ربما لمنفعة ما مأمولة أو حاصلة.
أمّا بالحديث عن التاريخ السياسي، فقد كان الرجل ملتصقاً بنظام بشار الأسد، ومدافعاً أو متغاضياً عن كل المآسي الذي تسبّب فيها هذا النظام، أباً وابناً، على لبنان وسوريا، على الرغم من كل الجرائم الوحشية وغير المسوّغة التي مارسها النظام، من مجازر وتجاوزات تقشعرّ لها الأبدان، وصولاً إلى الكيماوي والبراميل المتفجرة. فإن كان الأمر عن تجاهل أم تأييد، ففي الحالتين لا يصح قبوله في موقع الحكم، بل مجرد زعيم من زعماء كثر مرتبطين بنظام الأسد.
ولا يصح أيضاً التبرقع وراء شعار العروبة كمسوغ لهذا التعسكر، فحتى اسم تياره السياسي «المردة» أساسه معاد للعروبة، ولم يحاول حتى تغيير الاسم، مستفيداً من جهل الناس أصل التسمية. على كلّ الأحوال، فإنّ شعار العروبة لوحده مطاط وخالٍ من التفاسير المرتبطة به، وأصبح يحتاج لإعادة تقييم وتحديد ليتقبله العقل، وليتمكن العروبي من الترويج له والدفاع عنه، مثله مثل كل العناوين ذات الطابع العرقي أو اللغوي أو الديني أو الوطني، بظل المتغيّرات الجذرية في نظرة الناس بشكل عام لهذه الشعارات. فالناس يبحثون عن النافع في حياتهم اليومية ومستقبلهم، ولا نفع للشعارات في هذا المجال. لذلك فالأفضل الحديث عن نظام المصلحة العربي وفوائد لبنان منه، وأظن أنّ البكّ هنا في الصف الآخر.
لكن، يكفي أن نذكر الموقف من المحكمة الدولية حتى بعد معرفة الجناة، ورفض عرّاب ترشيح البكّ تسليمه المتّهمين أولاً ومن ثم المدانين، وبعدما سقطت شخصيات عديدة على الطريق والمتهم واحد في كل المراحل. وهل نستذكر الموقف من انفجار المرفأ وتعطيل التحقيق للوصول إلى الحقيقة والجناة، مع العلم أنّ أحد أركان البكّ من لائحة المتهمين في القضية؟ وقد نقبل جدلاً أنّ البكّ مقتنع ببراءة جماعته وبراءة عرّابيه، فلم التمنع عن السير بالتحقيق إلى حدّ التهديد؟
ولو فرضنا أنّ التهم مغرضة ومسيّسة فإنّ قضية المرفأ باقية في لبنان، والمحاكمة ستكون في لبنان، ولو كانت التهم باطلة لتمكّن محامو الدفاع من دحضها وتبيان البراءة. بالاختصار، فإنّ البكّ سيستمرّ خلال حكمه، إن وصل، في تعطيل التحقيق والمحاكمة، ولربما، لكونه «قبضاي»، من إرسال من يطالب بالحقيقة إلى التحقيق وربما السجن بتهمة تهديد السلم الأهلي.
أمّا عن ملف الإصلاح ومواجهة الفساد، فلا أظنّ بمراجعة بسيطة أنّ مسار البكّ يوحي بذلك من خلال الوزارات التي تولّاها، أو تولّاها مساعدوه، ولن أستفيض بذلك لضيق المساحة.
يقول البكّ ورعاته إنّه الوحيد القادر على مخاطبة الأسد وأمين عام «حزب الله» السيد حسن نصر الله بالمونة ربما، أو لثقتهما به، وأنا متأكد من صحّة الأمر. لكن عن أي أمر سيتحدثون والبكّ من أهل البيت، وموافق مسبقاً على «روحية» طرحهما، وهذا بالذات يحسب عليه لا معه. أمّا عن موضوع عودة اللاجئين، فلا البكّ ولا غيره سيعيدونهم، لأنّ ملفهم في مكان آخر بانتظار الحلول السياسية والمالية بسورية. لن يعود اللاجئون بمونة البكّ، ولا هو تجرّأ أصلاً على إطلاق الوعود بهذا الخصوص.
لكل هذا، وبغض النظر عن نتائج التصويت، والمرشح الثاني أيّاً كان، فسليمان فرنجية غير مؤهل ليكون مرشح تسوية يأتي نتيجة حوار.