قد يكون فيلم Phantom Thread (الخيط الوهمي) أبسط عمل للكاتب والمخرج بول توماس أندرسون منذ فترة، لكنه من أكثر أعماله تميّزاً.
يبدأ الفيلم بكلمات بسيطة في وسط الشاشة ثم ينتقل إلى لقطة مقرّبة من شابة تجلس على كرسي ووجهها مضاء بشعاع نار، فتتوجّه إلى شخص لم نشاهده بعد وتقول بكل هدوء: "رينولدز حقق أحلامي"! لكن يصعب تصديق ما تقوله عند مشاهدة الأحداث التي تلي هذه اللقطة.
ثم نتعرّف على عالم "رينولدز وودكوك"، وهو مصمم أزياء ورجل يهتم بأدق التفاصيل، وتتضح هذه الصفة لديه في طريقة ترتيبه لنفسه. هو يستعمل صابون الحلاقة ببراعة ويقصّ شعر أنفه وأذنه بدقة (يؤدي دانيال داي لويس دور رجل منمّق بعمر معيّن) ويرفع جواربه البنفسجية بأسلوب حيوي.
بعد فترة قصيرة، ينطلق "وودكوك" في رحلة مختلفة ويترك سيارته القوية في مرأب محلي ويستقر على طاولة في فندق "فيكتوريا". نلاحظ هناك نادلة شابة خرقاء اسمها "ألما" (فيكي كريبز). حين تأخذ طلب "وودكوك"، تزيد ثقتها بنفسها وتعده بأن تتذكر طلبه عن ظهر قلب. فتحفظه جيداً ثم يدعوها إلى العشاء. خلال العشاء، يتكلم "وودكوك" في معظم الوقت ويصف والدته ودورها في تحوّله إلى مصمم الأزياء الذي أصبح عليه الآن لأنه صمّم ثوب زفافها حين تزوجت للمرة الثانية. هو يتكلم عن خرافات كثيرة ترتبط بتصميم أثواب الأعراس، فيخبر "ألما" عن الرموز والرسائل الصغيرة التي يستطيع الشخص نقلها عن طريق الملابس التي تكون يدوية الصنع. وحين ينتهي حديثه، يطيل النظر إليها. فتقول له: "إذا أردت منافستي في مسابقة التحديق، ستخسر حتماً". ثم يدعوها أخيراً إلى استوديو الخياطة الخاص به في منزله الريفي. هو لا يغريها هناك بل يطلب منها أن تقف أمامه كي يبدأ بتصميم ثوب لها. فتصل شقيقته "سيريل" في الوقت المناسب لتدوين مقاسات "ألما"، لكنها تحرص أولاً على التحديق بها. تخبر "ألما" "سيريل" بالتفاصيل التي لا تعجبها في جسمها، فتجيبها "سيريل": "أنت رائعة. هو يحب البطن الممتلئ بعض الشيء!".
لا يتعامل "رينولدز" بحذر مع "ألما". هي تدهن الخبز المحمص بالزبدة بطريقة فوضوية، وتدخل إلى استوديو الخياطة وهي تحمل صينية الشاي وهو لا يستطيع تحمّل هذه التصرفات. فيتجادلان لفترة ويتبادلان كلمات قاسية قبل أن يقول لها أخيراً: "الشاي سيخرج من هنا"! تستنتج "ألما" أن "رينولدز" يحتاج إلى الوقت لاسترجاع الهدوء بعد العمل لفترة طويلة، وتكون طريقتها في تهدئته مثيرة للاهتمام.
لكن لا تبلغ الأحداث في هذا الفيلم ذروتها بطريقة تقليدية ومألوفة، إذ لا تُحَلّ "الحرب" بين الشخصيتَين الرئيسيتَين في هذه القصة بطريقة منظّمة ومتوقعة. حتى أننا لن نعرف حقيقة ما تريده "ألما" أو ما تحققه. تبقى خلفية قصتها غامضة وتجسّد فيكي كريبز شخصيتها بطريقة جميلة وتتكلم بلكنة ألمانية خفيفة. يدور أحد المشاهد خلال مؤتمر صحافي، حيث تناقش أرملة غنية وسوقية (كان "وودكوك" قد صمّم لها ثوب زفافها) عرسها الوشيك من سياسي من جمهورية الدومينيكان. يسأل أحد الصحافيين الرجل عن "بيعه تأشيرات إلى اليهود خلال الحرب"، فينتقل أندرسون إلى لقطة مقرّبة من وجه "ألما" لكن لا تظهر عليه أي تعابير. إنه فيلم عن المواجهات المحتدمة، وهو يشمل لحظات حالمة سرعان ما تتحول إلى كوابيس مصغّرة، لكنها ليست قصة تقليدية عن "المعركة بين الجنسين".
الفيلم جميل على جميع المستويات. يتميز أندرسون بمؤثراته البصرية اللافتة ويتولى بنفسه مهمة التصوير السينمائي بالتعاون مع مصوّر الإضاءة مايكل بومان، فيستعمل إطارات التصوير على طريقة المخرج ستانلي كوبريك ويقطّع المشاهد على طريقة هيتشكوك. هذا الأسلوب يعطي الفيلم زخماً قوياً وتزداد قيمته بفضل الموسيقى التصويرية التي يقدمها جوني غرينوود والمقاطع الموسيقية الأخرى التي تتخذ طابعاً كلاسيكياً بشكل عام. إنه فيلم "موسيقي" بمعنى الكلمة، إذ تقلّ المشاهد التي تخلو من الموسيقى وتكثر الانتقالات بين مختلف الآلات والألحان المنتقاة على مر الفيلم. أما التمثيل، فهو ممتاز طبعاً. يستعمل داي لويس للمرة الأولى منذ وقت طويل لكنته الطبيعية ونبرة صوته الاعتيادية بدور الرجل الذي تُحوّله "ألما" من شخص صارم ومتشنّج إلى رجل "منفتح وحنون" مثلما أرادته دوماً. تقدم فيكي كريبز وليسلي مانفيل أداءً ممتازاً أيضاً وتتعايشان مع العالم المقيّد في هذه القصة بأقصى درجات الصدق والشفافية.
حين يمرض "رينولدز" في أحد المشاهد المؤثرة ويصاب بالحمى، يتخيل والدته وهي تقف بكل شموخ بثوب الزفاف الذي صنعه لها أمام جدار بالقرب من باب غرفة نومه. لكنه لا ينظر إليها مباشرةً في أي لحظة. بل يتمدد على ظهره ويحدق نحو الأعلى ويقول: "هل أنتِ هنا؟ هل أنتِ دائماً هنا؟ اشتقتُ إليكِ وأفكر بكِ طوال الوقت". هذه هي الحبكة الأساسية في القصة، وهي تحمل إشارة ضمنية إلى اللغز الذي يعجز جميع الناس عن حلّه. إنه تعبير صادق عن الأمل الكامن داخل مشاعر الوحدة التي نحاول التهرب منها عبر رفض تبادل الحب مع الآخرين فضلاً عن تصرفات غريبة أخرى. تعيدنا هذه الفكرة إلى عنوان الفيلم وتعطيه طابعاً مشوّقاً ومخيفاً في آن!