Tiger King (ملك النمور) جزء من الأعمال الممتعة والمرشّحة للنجاح على شبكة "نتفلكس"، فهو يصطحب المشاهدين إلى أسلوب حياة صادم ويعرض أمامهم سلسلة من الفضائح، لكنّ تصنيفه كمسلسل "جريمة حقيقية" لا يفيه حقه. إنها رحلة اجتماعية في عقول أميركيين غريبي الأطوار يدمنون على السلطة التي يكتسبونها نتيجة اقتناء النمور أو "القطط الكبيرة". سنكون أمام تسلسل هرمي درامي معقد، ويحلل المخرجان إيريك غود وريبيكا شايكلين جميع جوانبه. يشمل المسلسل الذي بدأ عرضه على "نتفلكس" حديثاً خمس حكايات مختلفة من نوع الجريمة الحقيقية (منها حريق متعمد، واختفاء، ومؤامرة قتل مزعومة)، فتمتزج معاً لتقديم مسلسل من سبع حلقات يسهل الإدمان عليها.
كل مشارك في هذا العمل معروف بحبه للحيوانات البرية منذ عقود ويتمتع بحضور غامض أمام الكاميرا ويحمل مجموعة من الأسرار القاتمة. تتميز "كارول باسكين" بشكل خاص، فهي تملك ملجأBig Cat Rescue للنمور في فلوريدا وتتعاون مع منظمة "بيتا" للدفاع عن الحيوانات وتقف في وجه الشخصية المحورية في المسلسل، "جو إيكزوتيك"، وغيره من أصحاب النمور. كما هو متوقع، يكرهها "جو" بقدر ما يحب نموره، وهو لا يتردد في فعل كل ما يلزم لتحقيرها ويهدد بقتلها أو يحاول إقناع العالم بأن "كارول" هي المسؤولة عن اختفاء زوجها السابق "دون". تشتق الأجواء الجنونية والمضحكة في Tiger King من شغف "جو" و"كارول" المشترك، فيتصادمان طوال الوقت، وبأسخف الطرق في معظم الأحيان، لأنهما يحملان حلماً مشتركاً بالحفاظ على النمور لكنّ رؤيتهما لتحقيق هذا الهدف مختلفة بالكامل.
توحي النواحي الجمالية في هذه القصة (مظاهر الثقافة الأميركية، تذكارات للنمور، مسدسات، شعر غريب على الوجه) بأننا أمام مسلسل جريمة وأن قصصاً كثيرة أخرى ستبقى على الهامش. لكن يتعمق Tiger King في الأفكار التي يطرحها ويحاول استكشاف خصائص الأشخاص الذين يحبون اقتناء النمور أو يبدون استعدادهم للتضحية بأنفسهم من أجل شخص مماثل. لا يمكن اعتبار أي حلقة ضعيفة، بل ينجح المسلسل في طرح مواصفات وافية عن معنى التملك والممالك الفردية التي تكون قابلة للتدمير من الداخل والخارج في آن. هذا ما يفسّر قوة الغدر الذي يتعرّض له الجميع في مرحلة معينة، لا سيما حين يضطر "جو" لاحقاً للمحاربة في سبيل الحفاظ على ملكية حديقة الحيوانات الخاصة به تزامناً مع تحقيق طموحاته السياسية.

تحمل الحلقة الثانية مثلاً عنوان Cult of Personality (عبادة الشخصية)، وهي تُركّز على السلطة التي يفرضها "جو" و"دوك أنتل" و"كارول" على الناس في مؤسساتهم. يُشغّل "جو" عمالاً يعيشون في ظروف بائسة ويأكلون لحوماً صلاحيتها منتهية. واعتاد "دون" على الاستعانة بمدرّبات للحيوانات، وهو يهتم بهنّ منذ عمر صغير. أما "كارول"، فلديها متطوعون مستعدون لتفويت الاحتفال بعيد الميلاد للاهتمام بنمورها. هل يمكن اعتبار هؤلاء الأشخاص قادة يوجّهون مساعديهم أم يستغلونهم بكل بساطة؟ لا يطرح Tiger King أجوبة صريحة على هذه الأسئلة، لكنه يعطي الجميع فرصة التعليق على تصرفات الآخرين، فيتّضح المشهد العام في خضم هذه العملية. يحاول كل لاعب أساسي في هذه القصة أن يحلل الوضع أو يهاجم شخصاً آخر. هذا ما يحصل مثلاً كلما تكلم "جو" عن أعمال "كارول"، فتعكس الكلمات التي يتفوه بها تصرفاته وممارساته الخاصة. كذلك، يؤمن الجميع بأن الإنسان يُحاسَب على أعماله في نهاية المطاف ويظنون أن الشرطة لم تقم بواجبها لحل الجرائم الغامضة التي يطرحها المسلسل. سرعان ما يتخذ العمل منحىً يجعله من فئة المسلسلات الوثائقية، على غرار Wild Wild Country (الريف البري) من قبله، حيث تتقلب الآراء التي يفضّلها المشاهدون طوال الوقت.
يستعمل المخرجان غود وشايكلين عدداً من العناصر المألوفة في أعمال "نتفلكس" (منها المشهد الأول الذي يشبه المقتطف الترويجي، والموسيقى التصويرية المرحة والغريبة)، لكنّ نطاق المواضيع في Tiger King هو الذي يميّزه عن الأعمال المعاصرة الأخرى. يعرض المسلسل حكايته لكنه يتجنب الأسلوب السردي المحصور في إطار زمني ضيّق: تم تصويره على مر خمس سنوات، وقد نظّمه المسؤولون الخمسة عن المونتاج على شكل سلسلة من الأحداث والمواضيع القابلة للاستكشاف، على أن تكفي لملء الحلقات السبع بكوميديا طبيعية ودراما دسمة عن أصحاب النمور. كذلك، تحمل هذه القصة جانباً قوياً من التعاطف والاهتمام، ويتّضح هذا الجانب في إيقاع العمل وأجوائه المختلفة، لذا لن يكون تافهاً بقدر ما يوحي به للوهلة الأولى.
حتى أن هذا المسلسل القصير يلقى دفعة من الدعم الإضافي عبر طرح وجهة نظر ذاتية، إذ يتولى المخرج غود (وهو الأكثر ظهوراً أمام الكاميرا) عرض الجوانب القادرة على إثارة دهشة المشاهدين والحفاظ على اهتمامهم (هذا ما يحصل مثلاً حين يتكلم "ماريو تابرو"، أحد أصحاب النمور، عن عادة "دوك" المرتبطة بمدرّبات النمور، فيخصص المسلسل الوثائقي عشر دقائق لاستكشاف هذه الفكرة). يبدو أن غود وشايكلين يعرفان كل تفصيل غريب في اللحظة التي يشاهدها الجمهور، وينجح Tiger King طوال الوقت في حث الناس على متابعة المشاهدة لأن كل جانب من هذه الحكاية المدهشة تكشف عن جوانب مشوّقة أخرى.