4 حقائق مبهرة تثبت ذكاء حيتان الأوركا القاتلة

5 دقائق للقراءة

بدأت حيتان الأوركا تتصرف بطريقة غريبة وعدائية في مضيق جبل طارق الذي يفصل إسبانيا عن المغرب أو في محيطه.

منذ تموز 2020، سجّل البشر مئات الحالات حيث تهاجم هذه الثدييات البحرية العملاقة المراكب وتحطّم أجزاءً منها بشكلٍ مقصود قبل المغادرة.

قد يكون هذا الوضع المستجد أغرب مما نظن. في مختلف السجلات البحرية القائمة منذ قرون، ما من اعتداءات قاتلة من جانب حيتان الأوركا ضد البشر. حتى أن اعتداءاتها الجامحة تبقى نادرة على نحو صادم نسبةً إلى سمعة هذه الحيوانات الوحشية.

عملياً، لم يتغير شيء حتى الآن لأن هذه الحيتان تغضب من المراكب (لا البحّارة) أو تستمتع بتحطيمها، ومع ذلك يبقى الوضع مقلقاً. عند التكلم عن الحيوانات الذكية، يذكر الكثيرون قرود الشمبانزي أو الدلافين قارورية الأنف، لكن قد تهزمها حيتان الأوركا بسهولة.

لكنات محلية

تتواصل الحيوانات في ما بينها بطرق مختلفة. لكن في أعماق المحيطات الباردة، تُعتبر الأصوات من أهم أدوات التواصل بين الحيتان. يتنقل الصوت بسرعة في المياه أكثر من الهواء، حتى لو قطع مسافات إضافية. تنتشر حيتان الأوركا القاتلة في أنحاء العالم، وقد طوّرت المجموعات المحلية لكنتها الخاصة.

بعد تحليل النقرات والصفارات التي تستعملها هذه المجموعات للتواصل في ما بينها، رصد العلماء اختلافات بينها بحسب أماكن وجودها. يمكن نَسْبها إلى عملية التوارث، إذ تنقل الأم طريقة «نطقها» إلى صغارها على الأرجح. لكن تكشف الأبحاث أيضاً أن تقاسم لكنة معينة ليس مؤشراً مؤكداً على وجود رابط وراثي في هذا المجال، بل يبدو أن هذه الظاهرة تنبثق جزئياً من الثقافة المحلية.

سلوكيات ثقافية

تستطيع حيتان الأوركا أن تتعلّم من بعضها، وهي تتقن هذه العملية أيضاً. في صيف العام 1987، انتشرت «نزعة» عابرة بعدما بدأت أنثى من فصيلة الأوركا في منطقة «بوجيه ساوند» تحمل سمكة سلمون ميتة على رأسها. بعد مرور بضعة أسابيع، قامت حيتان الأوركا في حوضَين مجاورَين بالمثل، فتابعت وضع قبعات مؤلفة من السلمون الميت على رأسها طوال خمسة أو ستة أسابيع، ثم تلاشت هذه الظاهرة ولم تظهر قبعات السلمون إلا في حالات نادرة خلال الصيف اللاحق.

لكن تحمل تجربة التعلم الاجتماعي أدوراً أكثر جدّية أيضاً في حياة حيتان الأوركا. بالإضافة إلى اللكنات المحلية، تُعتبر هذه الكائنات الأفضل في مجال الصيد وتختلف أساليبها من منطقة إلى أخرى، إذ تبحث حيتان الأوركا عن أغذية مختلفة، بدءاً من الأسماك وصولاً إلى الفقمات والحيتان. يصطاد حوت الأوركا قبالة ساحل جنوب أفريقيا أسماك القرش مثلاً، فينزع أحشاءها بدقة شبه جراحية للحصول على أكبادها اللذيذة والمغذية والمليئة بالزيوت.

برأي بعض العلماء، تُعتبر ثقافة حيتان الأوركا محرّكاً أساسياً لتطورها، بالإضافة إلى معطياتها الوراثية. تنتمي هذه الحيتان كلها إلى الفصيلة نفسها، لكن تبرز بينها اختلافات مناطقية من حيث الشكل والأنماط. يظن البعض أن الاختلافات الثقافية التي تظهر على شكل سلوكيات مكتسبة تنتج ما يكفي من العزلة الإنجابية لإنشاء أجناس جديدة.

تقدير خاص للجدّات

لا وجود لشخصيات وحيدة أو مستقلة في مجتمعات حيتان الأوركا. تصطاد هذه الحيوانات بطريقة جماعية، فتستعمل التكتيكات التي تفرض على عدد من الأعضاء أداء أدوار مختلفة. تبدو بنيتها الاجتماعية معقدة، لكن غالباً ما تقود الأمهات أو الإناث مجموعات الحيتان.

يبدو أن أسلوب الحياة الجماعي يُحسّن فرصة نجاتها بفضل تلك البنية بالذات. تُعتبر حيتان الأوركا من الأجناس القليلة التي تختبر تجربة انقطاع الطمث في العالم، ما يعني أن الإناث تعجز عن الإنجاب بعد هذه المرحلة، فتُكرّس الجدّة طاقتها لدعم المجموعة ككل. تعرف هذه الإناث أفضل تكتيكات الصيد ويمكنها أن تُوجّه عائلاتها خلال الأوقات الصعبة.

تكشف الأبحاث أن نسبة الوفيات وسط أي مجموعة من حيتان الأوركا تزيد أيضاً بعد نفوق الجدّة. قد تفسّر هذه النظرية المنافع المحتملة، ما يعني أن انقطاع الطمث ينتج جيلاً أكثر حكمة من أفراد العائلة، فتصبح هذه الكائنات أكثر قدرة على تحسين وضع قبيلتها أو أقاربها.

"النطق" بلغات أخرى

منذ بضع سنوات، تصدّرت أنثى من فصيلة حيتان الأوركا، اسمها «ويكي»، عناوين الأخبار لأنها «نطقت» كلمات بشرية. علّمها أحد العلماء أن تُصدِر أصواتاً تشبه كلمات مثل Hello وBye-Bye. لا شيء يثبت أن «ويكي» كانت تفهم معنى تلك الكلمات، لكن كانت قدرتها على إصدار هذه الأصوات مدهشة بمعنى الكلمة.

عملياً، قد تتكل حيتان الأوركا على التقليد أكثر مما نظن. ذكرت دراسة من العام 2011 أن هذه الحيوانات قد تقلّد أصوات حيتان أخرى من الفصيلة نفسها لكن بلكنة مختلفة مثلاً. لوحظ أيضاً أنها تكرر الأصوات التي تصدرها أجناس أخرى. صوّرها العلماء وهي تصدر أصواتاً على صلة بالدلافين قارورية الأنف. هذه الظاهرة ليست غريبة على الأرجح لأن حيتان الأوركا هي نوع من الدلافين.

صوّرها العلماء أيضاً وهي تقلّد أسود البحر، وهو أمر مثير للاهتمام لأن هذه الحيوانات تطارد حيتان الأوركا في العادة. لا يمكن تحديد أي دافع وراء هذا السلوك لأنه يبقى نادراً، لكن لنتخيل أن تتمكن هذه الحيتان من خداع فريستها. لا يبدو هذا الاحتمال مستبعداً بأي شكل.

بغض النظر عما يصيب حيتان الأوركا في مضيق جبل طارق إذاً، يبقى ما يحصل مثيراً للاهتمام. هل تحاول هذه الحيوانات الانتقام من المراكب بعد تعرّضها لإهانة معيّنة، أم أنها كائنات فضولية بكل بساطة؟ وإذا كانت فضولية، لماذا تحرّكت الآن وقررت استهداف المراكب على وجه التحديد؟

افترض تقرير في السنة الماضية أن هذه الحركة أو النزعة المستجدة تنبثق على ما يبدو من سلوك أنثى واحدة اسمها «وايت غلاديس». لكن لم يتّضح بعد ما دفعها إلى مهاجمة المراكب، ولا يمكن تحديد السبب قبل جمع معلومات إضافية عن هذا الموضوع.