من يقرأ المعطيات والتحليل وربط الأحداث يفقه أن "حزب الله" بات عبئًا حتى على مشغّليه ومخترعيه أصلا! ما يحدث اليوم في جنوب لبنان ليس مسرحية، وليس مقطعًا مقتطعًا من برنامج الزميل جو معلوف "مش مسرحية"، بل هو واقعٌ معيوش.
أحد المقاتلين في "الحزب" من الفئة المغلوبة على أمرها، والتي خسرت كل شيء حتى الأرض والأبناء، يقول في حديث خاص مع "نداء الوطن": نتلطى على جوانب الطرقات في ظل الأشجار ومن دون هواتف، فيمرّ كل 6 ساعات شخص ما بسيارة ويرمي بعض الطعام لنا من النافذة ويكمل طريقه، وفي حال كان "الحزب" يحتاجنا لعملية ما في منطقة أخرى، فإن السائق يقف في ظل شجرة وينادي علينا بالأسماء. نعيش في الغابات والوديان ولا نعرف متى "نستشهد"، لكنّنا لا نملك خيارات، فإذا هربنا سنموت برصاص رفاقنا ونُصنّف "شهداء" في مواجهة إسرائيل، وفي الحالين نحن ننتظر الموت ولا خيارات أمامنا.
هذا بعض ما قاله هذا المقاتل الذي هرب منذ يومين من غارة إسرائيلية، واختبأ في أحد المنازل المسيحية في الجنوب اللبناني قبل أن يُطلب منه المغادرة منعًا لاستهداف المنزل وساكنيه.
هذا "حزب الله"، ولكن لماذا يفعل كل ذلك وهو مدرك بأن نهايته حتمية وأن مقاتليه لن يرموا إسرائيل في البحر ولن يحرروا القدس؟ كل ما في الأمر أن إيران أعطت أمرًا إلهيًا لـ"الحزب" بالاستمرار في محاربة إسرائيل، وحين رأت أن إسرائيل اكتفت باحتلال جنوب الليطاني، طوّرت مسيّرات "حزب الله" لتستفزّ إسرائيل أكثر وتُجبرها على دخول شمال الليطاني والقضاء على ما تبقى من "حزب الله".
مشروع إيران ليس بريئًا، فبحسب المعطيات، وبحسب ما نُقل عن الصحافة الإسرائيلية والأميركية، فإن إيران وافقت على حلّ الأذرع ووقف تمويلها، وأعطت واشنطن ضمانات حول أمن الخليج وحول أمن إسرائيل بالتحديد، لكن بقاء "حزب الله" كقوة سياسية، حتى وليس عسكرية، يحتّم على إيران مبالغ مالية كبيرة لسنوات طويلة مقبلة، ما يعني أن طهران ستكون مسؤولة عن أكثر من مليون شيعي صحيًا وتربويًا وحياتيًا، أما في حال استطاعت إسرائيل القضاء على "الحزب" واستسلمت قيادته ومقاتلوه، فإن إيران ستنسحب من مسؤولية إعالة "الحزب" وعوائله، وستحلّ الدولة اللبنانية مكانها.
هذا ليس من باب التحليل، فما يجري في الميدان يدلّ على استسلام إيراني أمام احتلال إسرائيل للجنوب وقتل آلاف الشيعة وتدمير القرى والبيوت وتهجير المواطنين، وفي المقابل صمتٌ إيراني مسموع ومفاوضات مباشرة وغير مباشرة مع الداعم الأول لقتل شيعة لبنان.
وفي السياق، يبدو واضحًا أن خطابات الأمين العام لـ "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم تُكتب بالحبر نفسه الذي تُكتب فيه بيانات المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية مجتبى خامنئي.
فقاسم قال، وللمرة الأولى منذ اغتيال الأمين العام الأسبق لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله: بداية نهاية إسرائيل. في وقت ضحكَ الجميع على قوله وإسرائيل على مشارف النبطية، وبالأمس قال خامنئي: بداية نهاية إسرائيل، في تنسيق واضح بين الحاكم والمحكوم، أو لنكون أكثر واقعيين، بين السيد والعبد.
كل هذه المعطيات تشير إلى توافق إسرائيلي أميركي إيراني على حساب شيعة لبنان، وعلى حساب الجنوب والبقاع والضاحية، وعلى حساب الوحدة الوطنية، خصوصًا بعد تهديدات قاسم وأعوانه بضرب الداخل اللبناني في حال قرّر هذا الداخل سحب سلاح الحزب بالقوة. فهل سيُدرك بعض الشيعة أن "حزب الله" يقدّمهم وقودًا في معركة خاسرة سلفًا؟ وهل سيتجرأ رئيس مجلس النواب نبيه برّي على قلب الطاولة، أم سيستعين بالمثل العامي اللبناني القائل: "حطّ راسك بين الروس ونادي يا قطّاع الروس"؟
نائب رئيس التحرير