في آخر 16 شهراً، يتعلق الموضوع الأكثر تداولاً في أوساط واشنطن السياسية على الأرجح باستعداد الكونغرس الأميركي لمتابعة تسليم الأسلحة إلى كييف. طغت هذه المسألة على نشرات الأخبار والمقالات لسبب وجيه: تعهدت أقلية صاخبة ومؤثرة، في أوساط الجمهوريين تحديداً، بزيادة التدقيق بالمساعدات التي تتلقاها أوكرانيا أو وقفها بالكامل. بعد الاتفاق على سقف الدين هذا الشهر، زاد هذا النوع من الدعوات. كذلك، أدى التهديد بوقف المساعدات إلى زيادة مخاطر الهجوم الأوكراني المضاد الناشئ. وبما أن الولايات المتحدة تبقى أكبر وأهم جهة تقدّم المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا، ستؤثر أي خطوة لتقليص الإمدادات العسكرية على مسار الحرب بطريقة وخيمة. مع ذلك، يطغى الانشغال المفرط بالبُعد السياسي للكونغرس على جوانب أكثر أهمية من استراتيجية واشنطن تجاه أوكرانيا. في النهاية، تتوقف أي استراتيجية فاعلة على التناغم بين الأهداف والوسائل والموارد. بعبارة أخرى، تشمل الاستراتيجية المناسبة تعريفاً واضحاً للأهداف، وتطوير وسائل عملية لتحقيق تلك الأهداف، ثم تخصيص موارد كافية لتحويل تلك الغايات والوسائل إلى واقع ملموس. يتمحور النقاش الحاصل حول دعم الكونغرس لأوكرانيا حول الوسائل المستعملة. لكن ماذا عن العاملَين الآخرَين في هذا المثلث الاستراتيجي؟
بعد مرور سنة ونصف على بدء الحرب الروسية، لا تزال أهداف الولايات المتحدة في أوكرانيا غامضة. يميل الرئيس جو بايدن إلى التعبير عن دعم واشنطن لأوكرانيا «طوال الفترة اللازمة»، لكن لم تُحدد إدارته تلك المدة بدقة. تكلم بايدن عن النتيجة المتوقعة عبر رفض وضعٍ محدد، فقال: «أوكرانيا لن تصبح يوماً جزءاً من انتصارات روسيا». غالباً ما يحيل الأميركيون مسألة تحديد الأهداف النهائية في الحرب إلى أوكرانيا. في هذا السياق، يقول وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن: «في ما يخص أهداف الحملة الأوكرانية، سندع الأوكرانيين يحددون طبيعتها».
قد يكون هذا الموقف مبرراً أو حتى مثيراً للإعجاب، لأن الأوكرانيين هم الذين يتعرضون للقتل ويُفترض أن يحددوا شروط السلام بأنفسهم، لكن أدى غياب أي التزام شامل بانتصار أوكراني مباشر على روسيا إلى التعامل بطريقة فاترة ومتضاربة أحياناً مع العنصر الثاني من أي استراتيجية عقلانية، أي الوسائل التي تسمح بتحقيق الهدف النهائي. كلما تطالب أوكرانيا بنظام تسلّح مثلاً، يتكرر الخطاب نفسه في معظم الحالات. في البداية، ترفض الولايات المتحدة ذلك الطلب بسبب خليط من المخاوف المرتبطة بنوع العمليات والتصعيد المحتمل. ثم يتصاعد الضغط العام وتغيّر الولايات المتحدة مسارها في نهاية المطاف، لكن بعد تأجيل مفرط. يتعلق أحدث مثال على هذه المقاربة بصوابية تزويد أوكرانيا بالطائرات المقاتلة «ف - 16». لكنّ القرارات المتعلقة بجميع المعدات الأخرى، بدءاً من دبابات «أبرامز إم - 1» وصولاً إلى أنظمة الدفاع الصاروخي «باتريوت»، ارتكزت على النمط نفسه.
كان جزء من التردد الأميركي في أول أسابيع الحرب مبرراً على الأرجح، فقد حاول صانعو السياسة في تلك المرحلة استكشاف طريقة قتال الأوكرانيين. لكن أصبح تباطؤ تسليم المعدات غير مبرر حين طالت مدة الصراع. تتعدد الحالات التي جاءت لتدحض جزءاً كبيراً من الأسباب الأولية التي تفسّر الامتناع عن إرسال بعض الأسلحة (مثل الفكرة القائلة إن القوات الأوكرانية لا يمكن تدريبها بسرعة كافية على استخدام تلك الأنظمة). أثبتت أوكرانيا أنها قادرة على التحكم بأنظمة معقدة سريعاً، بما في ذلك صواريخ «باتريوت»، ويمكنها استعمالها لتحقيق نتائج إيجابية.
لو تحرك الغرب بطريقة حاسمة واستراتيجية، كانت أوكرانيا لتصبح أكثر قدرة على تنفيذ هجومها المضاد والتوصل إلى تسوية أكثر استدامة بعد الحرب.
يبدو الانشغال باحتمال تصعيد الوضع شائباً بدرجة إضافية، وهو مبرر آخر يستعمله المسؤولون لرفض إرسال الأسلحة. في المقام الأول، يسهل التشكيك بالفكرة القائلة إن الامتناع عن تسليم الأسلحة يحدّ من التصعيد ويُسهّل احتواء الحرب ويجعلها أقل دموية. لم تستخدم روسيا الأسلحة النووية حتى الآن، لكن تتعدد الأسباب التي تمنعها من اللجوء إليها. كذلك، لم يُعْطِ ضبط النفس الغربي الرد الروسي المنشود. حاولت روسيا تضييق الخناق على المدنيين الأوكرانيين لدفعهم إلى الرضوخ، وتورطت أيضاً في أعمال تعذيب واسعة النطاق، ولم تكن مستعدة للتفاوض إلا بعد استسلام أوكرانيا.
في الوقت نفسه، قدّمت الولايات المتحدة صواريخ «باتريوت» ودبابات «أبرامز إم-1»، ثم نظّمت تدريبات على استعمال طائرات «ف-16»، لكن لم تطلق هذه التحركات تصعيداً خارجاً عن السيطرة بالشكل الذي يخشاه البعض. كما كان متوقعاً، استهدفت روسيا تلك الأنظمة، مثلما كانت لتفعل مع أي معدات عسكرية قيّمة، لكن لم تنجح هذه الحملة المستهدفة حتى الآن. استمر الصراع بشكله السابق عموماً، فبقي عبارة عن حرب استنزاف طاحنة.
على صعيد آخر، لم تكن استراتيجية إرسال أنظمة تسلّح بشكلٍ تدريجي أو بعد سلسلة من التأجيلات منطقية في أي ظرف. إذا كان الهدف منها يتعلق بمنع أوكرانيا من مهاجمة روسيا بحد ذاتها، من المعروف أن أوكرانيا لم تحتج يوماً إلى معدات غربية متطورة لفعل ذلك. تفيد التقارير بأن أوكرانيا سبق ونفذت ضربات داخل روسيا بمروحيات سوفياتية قديمة، وطائرات مسيّرة غير أميركية، وغارات عابرة للحدود. وما الذي يدفع الأميركيين وحلفاءهم الغربيين أصلاً إلى القلق من احتمال أن يهاجم الأوكرانيون روسيا؟ قد تردّ موسكو على أي تحرك مماثل، لكن ستتحمل أوكرانيا تكاليف ذلك الرد، لا الولايات المتحدة أو حلفائها. في غضون ذلك، كان لافتاً أن تقوي البلدان الأكثر قرباً من روسيا والأكثر عرضة للردود الروسية التزاماتها العسكرية تجاه أوكرانيا، بما في ذلك بولندا، وفنلندا، ودول البلطيق.
إذا أرادت واشنطن أن توصل أوكرانيا إلى «أفضل موقع ممكن» للتفاوض على إنهاء الحرب، تبرز الحاجة إلى إعادة ترسيخ نظام الردع. يجب أن تقتنع روسيا بعدم جدوى تكثيف العمليات العدائية وارتفاع تكاليف استمرار العدوان. يعني ذلك في مجال العلوم السياسية ترسيخ نظام الردع الذي يمنع الخصوم من تحقيق أهدافهم الحربية، أو دعم الردع الذي يرتكز على العقاب، علماً أن هذا الخيار يجازف بتكبّد تكاليف إضافية إذا استمر العدوان.
يمكن الاستفادة من استعمال أسلحة أكثر قوة في الحالتَين. كلما أصبحت القوات الأوكرانية مزوّدة بأفضل المعدات، ستكون أكثر قدرة على كبح العدوان الروسي المتزايد وستمنع روسيا من تحقيق أهدافها في الحرب. كذلك، قد تتمكن أوكرانيا من ضرب الأهداف الروسية وراء خطوط القتال بفضل الأسلحة طويلة المدى، مثل طائرات «ف-16» التي وافق معظم الحلفاء الأوروبيين على تقديمها للبلد، أو نظام الصواريخ التكتيكية للجيش مستقبلاً. تستطيع هذه الأنظمة بالذات أن تستهدف المواقع الروسية وصولاً إلى شبه جزيرة القرم، وهو جزء أساسي من الهجوم الأوكراني.
لكنّ تزويـــــد الأوكرانيين بأفضل المعدات سيساعدهم أيضاً على فرض تكاليف متزايدة على روسيا، ما يعني أن تضطر موسكو لتقييم منافع أي عدوان مستقبلي قبل إطلاقه. في هذا السياق، قال خبير الاقتصاد الفائز بجائزة نوبل، توماس شيلينغ، يوماً إن نظام الردع يرتكز أيضاً على «قوة الإيذاء». قد يجازف منح أوكرانيا القدرة على إيذاء روسيا بتصعيد الوضع، لكنه شرط مسبق ضروري لتجديد الردع المتبادل على الحدود. بعبارة أخرى، قد تعطي المقاربة الأميركية الحذرة أثراً معاكساً لما تهدف إليه، ما يعني أن يطول الصراع وترتفع تكاليفه ويصبح أكثر دموية.
عند مقاربة الوضع بموضوعية، يتّضح أن مزايا الاستراتيجية الأميركية في حرب أوكرانيا تتلاشى بسبب النظام العام الذي يحكمها. لكن عند تحليل القرارات التي اتخذتها الولايات المتحدة خلال الحرب بطريقة فردية، سيتبيّن أنها عقلانية في معظمها. من المنطقي ألا تكشف إدارة بايدن عن حقيقة أهدافها في الصراع وأن تتردد في تسليم أسلحة متطورة إلى بلدٍ يخوض صراعاً مباشراً مع قوة كبرى ومسلّحة نووياً. ومن المبرر أيضاً أن يرغب الكونغرس في تقييم طريقة صرف أموال دافعي الضرائب الأميركيين.
لكن عند تقييم تلك القرارات جماعياً، لا مفر من أن تبدو جزءاً من استراتيجية أميركية فوضوية وشائبة لدعم الحرب. لقد أنتجت الأهداف الغامضة، والوسائل المترددة، والموارد المشكوك بها، جهوداً أميركية لا تبدو قوية أو سريعة أو ثاقبة البصيرة بقدر ما ينبغي. أدى غياب التطوير الاستراتيجي إلى تأخير الدعم اللازم لأوكرانيا، حتى أنه ساهم في إطالة مدة الصراع على الأرجح.
كان هذا النوع من التحديات متوقعاً منذ سنة أو أكثر: ستصمد أوكرانيا كدولة مستقلة، وتتابع مواجهة التهديدات الروسية على المدى الطويل، وتفتقر إلى المعدات المتبقية لها من الحقبة السوفياتية، سواء كانت على شكل دفاعات جوية، أو دبابات، أو طائرات. لو تحرّك الغرب بطريقة حاسمة واستراتيجية، كانت أوكرانيا لتصبح أكثر قدرة على تنفيذ الهجوم المضاد الذي أطلقته حديثاً في جنوبها وشرقها، لكنها كانت لتتمكن أيضاً من فرض تسوية أكثر استدامة في حقبة ما بعد الحرب.
لحسن الحظ، تعني شجاعة الأوكرانيين وإخفاقات الروس أن كييف لا تزال قادرة على الفوز في الحرب. تحتاج الولايات المتحدة بكل بساطة إلى قوة الإرادة والاستراتيجية المناسبة لدعم ذلك الانتصار.