حسان الزين

ابن رجل الدين الذي صار يسارياً ومثقّفاً ملتزماً

5 دقائق للقراءة

حبيب صادق (مواليد 1931) اسم لكثيرين، في لبنان الجنوبي وخارجه. بدأ يتحوّل إلى حالة حين اختاره اليسار ليخوض المعركة الانتخابية النيابية في 1968. وقد أسهم هو، من دون أن يدري، في صوغ ما جعله المرشّح المناسب لمواجهة «الإقطاع السياسي» المتمثّل بالزعامة الأسعدية. لا شك في أنّ كونه ابن عائلة تتوارث الدراسة والعمامة الدينيّتين لعب دوراً في ذلك، لكنّ شخصيّته ومسيرته هما الحجر الأساس. فوالده وإن كان صاحب مكانة وشهرة في جبل عامل، وهو مشيّد الحسينية الأولى في لبنان، في النبطيّة، إلّا أنّه لم يكن سياسيّاً.

ومما كانه حبيب صادق ورسم صورته، أنّه شاعرٌ يقف على المنابر ويلقي القصائد الوطنية والقومية. وقد أضاف إلى ذلك البعدَ الاجتماعيّ والسياسيّ، من موقع رفض الحرمان ونقد السلطة وإهمالها تلك المساحة الطرفية من لبنان، المهدّدة من إسرائيل والمعرّضة لاعتداءات متكرّرة.

ولم يقلّ عن ذلك أهميّة، أنّ حبيب صادق الشاب، آنذاك، قدّم نموذجاً للموظّف النزيه في وزارة الصحة. ولم يصل إلى رأس مديرية المحاسبة فيها بالواسطة. لقد لفت الانتباه خلال عمله مدرِّباً تربويّاً في السجون. ولم يغدُ معلِّماً في مدارس النبطية وكفررمان وبيروت وغيرها من المناطق، بسهولة. مسيرته التعليمية تعثّرت منذ وفاة والده (1942). إضطر إلى ترك مقاعد الدراسة والعمل في الحقول والسوق بائعاً صغيراً. وأصر على العودة، وأنهى المرحلة المتوسّطة. بعد ذلك، حاول مواصلة الدراسة الثانوية، في مدرسة ليلية، إلى جانب العمل النهاري، لكنه لم يوفق.

في خضم هذه الرحلة، أكثر ما يلفت هو علاقة حبيب صادق بالآخرين وبنفسه. وكذلك علاقته بالأفكار والعقائد والدين والسياسة والوظيفة. حتّى علاقته بالشعر والأدب كانت مركّبة وعلى شيء من الغموض والخصوصية. فابن الشيخ عبد الحسين صادق كان أقرب إلى زاهد مثقل بالضوابط الأخلاقيّة، لكن من دون أن تصدر عنه أي إشارة دينية، بعد مرحلة الطفولة. وابن الأسرة الكبيرة لم يتحمّس للزواج. إقترن من الأديبة ديزي الأمير لسنوات قليلة (من 1971 حتى 1975) مشترطاً عدم الإنجاب. ولم يكن موقفه ذاك، كما يؤكد، نابعاً من نظرة سلبية تجاه المرأة، بل تحت تأثير تجربته العائلية وزواج والده من ثلاث نساء.

وإذ كتب الشعر والأدب، وشارك في فعاليات عديدة في لبنان والخارج، وأصدر دواوين ومسرحيّاتٍ ونصوصاً وأعدَّ برامجَ للإذاعة، وغنّى مارسيل خليفة وأميمة الخليل وخالد الهبر من قصائده، بقي خجولاً يرتبك أمام صفة شاعر أو أديب خوفاً من أن تتحول لقباً أو امتيازاً.

وإذ خاض معارك سياسية من موقع يساري لم ينتسب إلى حزب أو عقيدة. وإذ كان موظّفاً عاماً بقي معارضاً، وقد واجه خلال ذلك صعوبات وتهديدات وصلت إلى إقالته لأسباب سياسية. وإذ عمل في السياسة، بقي يؤكد أنه لن يحترفها، مفضّلاً أن يزاولها باعتبارها شأناً عاماً ووطنيّاً.

وإذ انضم، في الانتخابات النيابية الأولى بعد الحرب (1992)، ممثّلاً اليسار، إلى لائحة تضم حركة «أمل» و»حزب الله»، رفض أن يملك النيابة ولا يحكم قراره. وقد استقال بعد ستة أشهر من ذاك التكتّل، اعتراضاً على إدارة الرئيس نبيه بري، ورفضاً لمواقف وتسويات وصفقات تُعقَد ويُطلب من النواب أعضاء التكتل أن يوافقوا عليها من دون نقاش.

وقد حرّره ذلك وأوضح هويّته المعارضة في البرلمان والسياسة. ومذ ذاك، بقي على نهجه، ونازل تلك اللائحة مرات عدة، وصولاً إلى إطلاقه المنبر الديمقراطي متعاوناً مع النائبين وليد جنبلاط ونسيب لحود، وغيرهما، لمواجهة الهيمنة السورية وحلفائها. وبعدما كان يستعد لانتخابات 2005، فوجئ بعقد حليفيه «الحزب التقدمي الاشتراكي» و»تيار المستقبل» تحالفاً رباعياً مع حركة «أمل» و»حزب الله». وكان ذلك بمثابة نيران صديقة دفعته إلى الإنسحاب من المشهد السياسي.

وحدها علاقته بالمجلس الثقافي للبنان الجنوبي كانت ثابتة وواضحة. ارتبط اسماهما ولم ينفصلا حتّى وفاته (1 تموز 2023)، وربما لن يحصل ذلك. وقد جعل الأمرُ كثيرين يعتقدون أن حبيب صادق مؤسس المجلس. والحقيقة ليست كذلك. هو انضم إليه بعد قليل من إنطلاقته، في 1964، ضمن سياق شهابي لتنمية الثقافة في المحافظات. ولم يغدُ أمينه العام إلا في 1975.

وفي حين أسهم اسم حبيب صادق وديناميته وصِلاته في الحفاظ على المجلس وإنعاشه وحضوره، انتُقد على احتكاره الأمانة العامة. وممن فعلوا ذلك الرئيس بري، الذي وصف صادق المتمرد عليه بـ»الإقطاع الثقافي». وفي حين أراد رئيس حركة «أمل» منذ 1979 ورئيس مجلس النواب منذ 1992 الطعن بالدور التاريخي لصادق في مواجهة «الإقطاع السياسي»، لا بد من الإشارة إلى وجود مصادر تاريخية عدة تؤكد فوز صادق في انتخابات 1972، إلا أنّ السلطة تدخّلت خلال الحملة الانتخابية وفي يوم الاقتراع والفرز وحالت دون ذلك داعمة كامل الأسعد ولائحته. ويروي صادق ذلك في «حوار الأيام» الذي أجراه معه الإعلامي طانيوس دعيبس (دار الفارابي).

ومما يُذكر أيضاً أنّ صادق عانى طويلاً من مرض عضال. وقد دفعته قيمه إلى وضع نفسه في خدمة العلم. ولم يحل ذلك دون مواصلته العمل منشّطاً للحياة الثقافية الملتزمة، سواء أكان في الثقافي الجنوبي أو اتحاد الكتاب اللبنانيين الذي شغل أمانة سره لسنوات. وهذا، إضافة إلى شخصيته وعصاميّته، هو ما سيفتقده لبنان الذي أراده ديمقراطيّاً عادلاً عربياً متجاوزاً «الإقطاع» وثقافته.