اشتعلت فرنسا إثر حادث مقتل نائل الشاب الجزائري الأصول ابن الضواحي الباريسية، بالحرائق المتنقلة والمواقف الثائرة والدعوات إلى اعادة النظر في الهيكليات الأمنية القائمة. وفي لبنان، لم تخمد بعد النيران النائمة تحت الرماد بعدما أضرمتها حادثة اطلاق النار على شابين لبنانيين من آل طوق في بشري، رغم ضبط النفس الذي تحلى به أبناء البلدة، تجاوباً مع المواقف الحريصة على ما يسمى السلم الاهلي.
ما يجمع بين البلدين في سياق هذه المقالة ليس الصداقة اللبنانية الفرنسية التاريخية، ولا المقومات الثقافية المشتركة، ولا هو الدور الذي تلعبه فرنسا سعياً إلى حل مآزقنا، ولا سيما لجهة انتخاب رئيس للجمهورية. إنّما هو في كيفية مواجهة الأزمات النابعة من ترسيم الحدود أو عدمه، سواء في السياسة أو الميدان أو الثقافة. فكلا البلدين يسعيان اليوم إلى احتواء النتائج، بعدما فوّتوا معالجة الأسباب. والدعوات إلى التهدئة وضبط النفس، في ظل توترات الأرض، لا تشكل الحل الأنجع لوقف أي تدهور محتمل أو أي عنف آت.
في مقاربة شاملة، يمكن القول إنّ التوترات والحروب التي تشهدها الالفية الثالثة تتخذ اشكالاً غير مألوفة، مستمدة من ثقافة العولمة الكاسرة لكلّ الحدود. ولعلّ مرد التهديدات يعود إلى ثورة الناس الهامشيين، في ظل اقتصاد يخلق عدم مساواة وشعوراً بالمرارة، بالاضافة إلى أزمة الهويات الثفافية التي تزدهر لدى الجيل الثالث من المهاجرين، وعدم القدرة على الاتحاد مع الثقافة الحاضرة منذ أجيال سابقة.
وها هي الأحداث التي استخف العالم بارتداداتها امتدت لتصل إلى اليابس بعد الأخضر. ولتبيّن أنّ الشرق الأوسط ليس المريض في عالم سليم بل المريض هو عالم الكبار الذي غرق في التلاعب بالصغار. لقد سبق لحكماء كبار وفي مقدمهم الجنرال شارل ديغول أن لفتوا إلى المخاطر المتربصة بالمستقبل في حال تركت الأمور على غاربها. ولم يلتفت الحكام الذين تعاقبوا إلى خطورة ما سوف ينتظر القارة الأوروبية من مآس، ولا سيما بعدما همّشت خصوصيات شعوب أوروبا، على تنوّعهم في اللغة والعرق والثقافة والتاريخ، وحصرهم تركيز الاهتمام على الوحدة والغاء الحدود بين الدول، متجاهلين ما قد يصيب هذه الدول بعد الغاء خصوصيتها، من دون حماية وصيانة لها ولا سيما في داخلها نفسه.
هذا في أوروبا التي تعني الكثير للبنانيين الذين آلمتهم أحداث فرنسا بقدر ما آلمت اللبنانيين أنفسهم، وربما اكثر. أما في الداخل اللبناني الذي هزّه ما حصل في القرنة السوداء، فالناس لن تسأل بعد اليوم عن كيفية بناء دولة، بل عن ضرورة وجودها بالوسائل القانونية والمنطقية والضرورية. وهي بحاجة اليها، إلى جيشها ودركها وشرطتها وموظفيها، لانّها الضامن لكل مواطن ولكل قرية ومدينة وحدود.
وشباب لبنان يحتاجون اليوم اكثر من أي وقت مضى لعدالة حقيقية، تعاقب من يتطاول على أرواح المواطنين وأمنهم وممتلكاتهم، كما للقضاء بشكل تام على حجة ما يعرف بالطابور الخامس. فاللبنانيون لا يريدون بالتأكيد فاشلين يستمدون وجودهم أو قوتهم من طوائفهم وحسب، ولا أن يكونوا كمية من الضحايا أو مجموعة من القتلة أو مواطنين يسعون إلى الفساد.
هم يريدون دولة ديموقراطية تنتظم مؤسساتها وتحترم مواطنيها وتحميهم. دولة ديموقراطية تقام بمزيد من الممارسة الديموقراطية بل ممارسة الديموقراطية بمزيد من الوعي والمعرفة وسعة الاطلاع. والا فليبنها طاغٍ ذكي وعادل لأنّه وحده ربما قادر- سواء في لبنان أو فرنسا، على تربية الطفيليات وانتشال بلد غارق من مخاطر انعدام القيم حتى كاد شعبه لا يتعامل الا بالتزوير والتهريب، ما يفقد لبنان صفحة بلد النور (بضم النون).
إنّ شباب لبنان مدعوون اليوم إلى ملء الفراغ في الرؤية والخفة في معالجة شؤون الوطن بعلمهم وثقافتهم ووعيهم. واعلام لبنان مدعو للمشاركة في صوغ لبنان الجديد بعيداً من الثرثرة والاستعراضات التلفزيونية، والدفع في اتجاه انتخاب رئيس للجمهورية أولاً، وتجاوز القول إنّه مرآة للمجتمع، ليتحول إلى رأس حربة في اعادة بناء الدولة.