في 16 حزيران الفائت، وضع قائد الجيش العماد جوزاف عون، الحجر الأساس لمشروع معالجة النفايات الطبية، في اللواء اللوجستي، المموَّل من دول سلوفاكيا والنمسا وتشيكيا، عبر برنامج الأمم المتحدة البيئي UNEP، في حضور وزير البيئة في حكومة تصريف الأعمال ناصر ياسين، ووزير خارجية سلوفاكيا Miroslav Wlachovsky، وسفراء سلوفاكيا Marek Varga، والنمسا Rene Paul Amry، وتشيكيا Jiri Dolzel، وإسبانيا Jesus Santos Aguado، وممثل UNEP سامي ديماسي. سئل وزير الخارجية السلوفاكي، خلال الاحتفال: لماذا قدّمتم المعمل للجيش مباشرة ولم تقدّموه للحكومة اللبنانية، فجاء الجواب صاعقاً: «لأن حكومتنا تثق بالجيش اللبناني ولا تثق بالمسؤولين السياسيين اللبنانيين».
واقعةٌ ثانية: إثر انفجار، أو تفجير مرفأ بيروت، رفضت الدول المانحة إعطاء المساعدات للحكومة اللبنانية، واشترطت أن يتم توزيعها عبر الجيش اللبناني، حتى أنّ الملحق العسكري الفرنسي أسرَّ إلى معنيين في وزارة الصحة، أنّ الحكومة الفرنسية اشترطت تسليم المستشفى الميداني للجيش اللبناني.
عيِّنتان، من ضمن عشرات العيِّنات، كفيلتان بتحديد كيف تنظر الدول التي فيها قوانين، وتلتزم القوانين، وتحترم القوانين، إلى السلطات اللبنانية. ما كانت هذه الدول لتضع ثقتها بقيادة الجيش اللبناني، لو لم تختبر الشفافية التي تتعاطى بها القيادة ولا سيّما في الموضوع المالي.
ما هي مصادر المال للجيش، أو الإيرادات للجيش؟ الأموال تأتي من ثلاثة مصادر: موازنة وزارة الدفاع، من ضمن الموازنة العامة لكل سنة، أموال المساعدات الأمنية، الأموال التي تدخل إلى الجيش سواء من الأندية العسكرية أو من بيع «خردوات الأسلحة».
إذا اعتمد الجيش على أموال موازنة الدفاع، لكان حال العسكريين اليوم كحال الأساتذة في التعليم الرسمي، ولكانت الثكنات أشبه بالمدارس الرسمية، ولكانت الطبابة العسكرية في وضعٍ كارثي.
على سبيل المثال لا الحصر، موازنة الطبابة العسكرية للعام 2022، بلغت 888 مليار ليرة، فاتورة الطبابة للشهرين الأوليْن من هذه السنة، بلغت 400 مليار ليرة، أي أن فاتورة شهرين توازي نصف الموازنة السنوية للطبابة العسكرية، إذا اعتمدت القيادة على الصرف على القاعدة الإثنتي عشرية فقط، لحُرِم معظم الذين يتلقون الطبابة على حساب الجيش، من هذه الطبابة. الأرقام تقول إن عدد الذين يستفيدون من الطبابة العسكرية يقارب الـ450 ألفاً، بين عسكريين في الخدمة وعائلاتهم، ومتقاعدين وعائلاتهم، من أين تتوافر الأموال لطبابتهم؟
إذا تصرف قائد الجيش وفق ما يتصرّف وزراء ومديرون عامون، لكان الجيش اليوم في وضعِ شلل، في غياب الطبابة، ولكن من أين تؤمِّن قيادة الجيش أكلاف الطبابة التي يستفيد منها الجميع، بمن فيهم جميع مَن مرّوا في الجيش، من رؤساء جمهوريات وقادة جيش ووزراء دفاع ممن كانوا ضباطاً، هل سألوا أنفسهم من أين تتوافر الأموال؟ هل ينتظرون الموازنات والقاعدة الإثنتي عشرية وأذونات الصرف التي تتأخر لشهور؟ وبالمناسبة فإنّ موازنة الدفاع، ضمن الموازنة العامة، توضع في تصرّف وزارة الدفاع، وتحديداً لدى مديرية القضايا الإدارية، وترفع القيادة لائحة بالموازنات المطلوبة.
هذا يقود إلى المصدر الثاني للأموال وهو أموال المساعدات الأمنية، وهي عبارة عن هبات مشروطة، بمعنى أنّ الدولة المانحة تشترط وجهة صرفها، وتتولّى قيادة الجيش وضع كشوفات وفواتير بكيفية الصرف، وترسَل إلى الدولة المانحة التي تكلِّف audit، للتدقيق في الفواتير. هذه الدول لم تكن لتواصل تقديم المساعدات لو أنها وجدت مخالفات في الفواتير.
المصدر الثالث للأموال هو أرباح الأندية العسكرية وبيع «خردوات» الأسلحة التي أصبحت خارج الخدمة وموجودة في المستودعات، هذه «الخردوات» تحوَّل من «مصلحة التنفية» في الجيش، ويصار بعد ذلك إلى بيعها.
هذه «الآليات» في الصرف موجودة منذ أيام قائد الجيش العماد ابراهيم طنوس، مروراً بقادة الجيش المتعاقبين: ميشال عون، إميل لحود، ميشال سليمان، جان قهوجي، وصولاً إلى العماد جوزاف عون، فإذا كان ما قام به خمسة قادة سابقين للجيش هو الصواب، فكيف يكون ما يقوم به العماد جوزاف عون هو الخطأ؟
حتى أن هذه الآلية وضِعَت أيام اللواء فؤاد شهاب، فهل فؤاد شهاب على خطأ أيضاً؟