ثمّة تساؤلات متزايدة في الأوساط السياسيّة والإعلاميّة الغربيّة تتصل بالمقاربات المعتمدة للصراعات الدوليّة التي اتخذت منحنيات خطيرة في الحرب الروسيّة - الأوكرانيّة، وقد تفاقمت حدة هذا النقاش مع تلبية الولايات المتحدة الأميركيّة طلب أوكرانيا تزويدها بالقنابل العنقوديّة وهي من الأسلحة المحظورة في أكثر من مئة دولة في العالم.
وبالفعل، سرعان ما اعترضت العشرات من المنظمات التي تُعنى بحقوق الإنسان حول العالم على القرار الأميركي، معتبرة أنه يعطي إشارة بالغة السلبيّة حيال الجهود التي بُذلت في مراحل سابقة لحظر هذا السلاح الفتّاك الذي يُشكل استخدامه خطراً بالغاً على السكان وفي المناطق المأهولة، نظراً لطبيعة تركيبته القويّة وطريقة إنشطاره ورقعة الدمار الكبيرة التي يخلفها.
ولا يقتصر النقاش الدائر في تلك الأوساط حيال موضوع السلاح و»ازدهار» تجارته بشكل كبير عقب اندلاع الحرب الروسيّة - الأوكرانية، بل يتناول العديد من الملفات الأخرى المتصلة بالسياسة الخارجيّة، لا سيّما الأميركيّة منها على ضوء التقهقر الكبير الذي تعانيه في العديد من الملفات ليس أقلها «تمرير» الصين لتفاهم «تاريخي» بين عدوين إقليميين لدودين هما السعودية وإيران.
ومن الملفات الأخرى التي لم تحقق فيها إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن (كما كل الإدارات الأميركيّة المتعاقبة منذ حقبة النكبة سنة 1948) تقدّماً، هو ملف الصراع العربي - الإسرائيلي وتحديداً في القضيّة الفلسطينيّة، ذلك أن السياسات الإسرائيليّة الأكثر تطرفاً تُطبّق دون أي محاسبة تُذكر، من التوسع الاستيطاني إلى تهويد مدينة القدس وتغيير الواقع الميداني على الأرض إلى مواصلة سياسة طرد الفلسطينيين والاعتداء عليهم، كما حدث في اقتحام مخيم جنين في الآونة الأخيرة.
ويدفع هذا «التراخي» الأميركي إلى المزيد من التساؤلات لدى العاملين في حقول السياسة الخارجيّة حيال سبل استعادة واشنطن لحضورها الذي لطالما كان قوياً في المنطقة العربيّة والشرق الأوسط عموماً، مستشهدةً بالتدهور غير المسبوق في العلاقات التي لطالما كانت «تاريخيّة» بين واشنطن والرياض منذ حقبة تأسيس المملكة العربيّة السعوديّة ولدى العهود الرئاسيّة الأميركيّة المتلاحقة، بحيث كانت هذه العلاقة من «الثوابت» في السياسة الخارجيّة الأميركيّة والسعوديّة على حد سواء.
فعندما «أوكلت» الرياض شؤون تسوية ملفاتها العديدة العالقة مع طهران منذ عقود إلى غريمة واشنطن الأولى، بكين، ومنافستها الرئيسيّة في الإقتصاد والتجارة الدوليّة والصناعة والسياسة، فإن نقطة التحوّل هذه كانت تنطوي على دلالات فائقة لا يمكن التقليل من أهميتها أو إعتبار أنها لحظات عابرة في مسار العلاقات الدوليّة وفي طبيعة تكوين العلاقات الثنائيّة بين البلدين.
والسؤال المركزي الذي تتمحور حوله تلك النقاشات يتعلق بمدى قدرة واشنطن على استعادة زمام المبادرة السياسيّة وفي أية ملفات تحديداً على ضوء «الاقتحام» الصيني لملفات المنطقة، وبعدما أعربت عن رغبتها واستعدادها في أن تتدخّل في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي الذي يعاني من إحتقانات وتراكمات هائلة، نتيجة إصرار تل أبيب على مواصلة سياساتها العدوانيّة ورفض الاعتراف بالحقوق الوطنيّة المشروعة للشعب الفلسطيني وفي طليعتها إقامة الدولة المستقلة وعودة اللاجئين.
ورغم أن الشواهد التاريخيّة على عدم رغبة إسرائيل لإحقاق السلام وإنهاء الصراع والانسحاب من الأراضي العربيّة التي احتلتها في العام 1967 هي عديدة وكثيفة في التاريخ المعاصر، إلّا أن تحقيق أي خرق صيني في هذا الملف المعقد، ولو في الشكل (مثل العودة إلى المفاوضات)، هو ضربة قاسية لواشنطن ستتحمّل نتائجها لوقت طويل، وسيتطلّب الأمر منها جهوداً حثيثة لاستعادة واقعها السابق.
قريباً، سوف تنغمس الولايات المتحدة الأميركيّة في مرحلة سياسيّة جديدة تتوّج بانتخابات رئاسيّة لن يكون من السهل التنبؤ بنتائجها، لا سيّما مع الجهود الاستثنائيّة التي يبذلها الرئيس السابق دونالد ترامب للعودة إلى البيت الأبيض ومع التعثر السياسي الذي تعاني منه إدارة بايدن.