يروي فيلم Child 44 (الطفل 44) للمخرج دانيال إيسبينوزا قصة أبناء وبنات «روسيا الأم» التائهين وسط وحشية الشيوعية، وهو مقتبس من رواية توم روب سميث. يعيش هؤلاء في مجتمع يدّعي المثالية، مع أن تاريخه الوحشي يشير إلى عكس ذلك، فهو يقوم على المجاعة التي تنتج الأيتام في كل مكان وعلى ممارسات دكتاتوية جنونية.
اليتيم الأساسي الذي أنتجه الاتحاد السوفياتي في هذا الفيلم هو «ليو ديميدوف» (توم هاردي). توفي والداه خلال مجاعة هولودومور في أوكرانيا، في فترة الثلاثينات، لكنه وجد عائلة جديدة داخل الجيش الروسي، واعتُبِر بطل حرب، وبدأ يظهر في الصحف وهو يحمل العلم السوفياتي بعد عهد الرايخستاغ في العام 1945. بعد مرور بضع سنوات، سنشاهده وهو يعمل في مطاردة الخونة في موسكو (منهم «أناتولي» الذي يقدّم دوره جايسون كلارك)، بالتعاون مع رفيقَيه «فاسيلي» (جويل كينمان) و»ألكسي» (فارس فارس)، وهو متزوج من المعلمة «رايسا» (نومي راباس). يخصّص الفيلم معظم أجزائه لملاحقة «ليو» الذي يشقّ طريقه نحو مجتمع يؤجّج الارتياب، حيث «يصبح الفرد مذنباً لمجرّد اعتقاله»، كما يقول «أناتولي» في أحد المشاهد.
يصل الفيلم أخيراً إلى حبكته الأساسية حين يتم العثور على ابن «ألكسي» الصغير مقتولاً. وبما أن جرائم القتل غير موجودة في روسيا، تعلن الحكومة أن قطاراً دهس الفتى، لكن يعرف «ألكسي» وأفراد عائلته، وحتى الطبيب الشرعي، أن شخصاً روسياً مسؤول عن الجريمة. «ليو» رجل منطقي عموماً، وهو يتقبّل ذلك الحُكم خوفاً من أن يعتبره رئيسه «كوزمين» (فنسنت كاسل) خائناً إذا قرّر تحدّي الحكومة، وهو يوصي «ألكسي» بالقيام بالمثل.
سرعان ما يتبيّن أنها جهود عقيمة حين يتّضح أن «رايسا» كانت مُخبرة خلال استجواب «أناتولي». وبما أن «ليو» يرفض تسليمها، يصبح الزوجان منفيَين في بلدة «فولسك» الصناعية حيث يتم العثور على فتى مقتول آخر بالطريقة المشينة نفسها. يعمل «ليو» هذه المرة تحت إمرة رئيسه الجديد، الجنرال «ميخائيل نيستيروف» (غاري أولدمان)، ويقتنع تدريجياً بأن ما يحصل ليس صدفة، ويبدأ مطاردة مثيرة للجدل لإيجاد القاتل وتحطيم أوهام حكومته المقتنعة بأنها تستطيع إعفاء نفسها من صفة القتل.
يعجّ الفيلم بممثلين بارعين يمكن الوثوق بأدائهم حتى الآن. يسهل أن يخطف هاردي الأضواء في أي عمل بفضل جاذبيته الهائلة، ويضفي أداء راباس وأولدمان وكينمان نفحة درامية مناسبة على الأحداث. قد تبدو القصة لامتناهية، لكن لا يخسر الممثلون تماسكهم. يجسّد الطاقم التمثيلي جماعياً شخصيات خيالية كانت تستحق فيلماً أكثر إتقاناً، ولا يُعتبر التمثيل أصلاً من مشاكل هذا العمل.
رغم الأداء التمثيلي الجيد، تتعلّق مشكلة واضحة باللكنة الروسية المزعجة التي يستعملها الممثلون في هوليوود. هي لا تفسد جوّ العمل بسبب غياب المصداقية، بل ترتبط المشكلة الحقيقية بتشويه بعض الكلمات. تعجز الشخصيات مثلاً عن لفظ كلمات أساسية وكان يمكن تجنّب هذا النوع من الإخفاقات.
يقال إن الفيلم يُكتَب ثلاث مرات: في السيناريو، وفي موقع التصوير، وفي غرفة المونتاج. كان يمكن تحسين التداخل بين مختلف الخطوط السردية في هذا الفيلم خلال واحدة من هذه المراحل الثلاث، لكن توحي الأجواء العامة بأن النتيجة النهائية تنجم عن أخطاء متنوّعة في التنقيح والمونتاج، فيبدو المُنتَج الأخير مبعثراً ومبالغاً فيه. بدل الاستفادة مثلاً من أسلوب هاردي العدائي حين يشكّك برضوخه الأعمى للسلطات في فترة التحقيق بجريمة القتل، يوسّع صانعو العمل نطاق شخصيته بطريقة يعجزون عن التعامل معها. في غضون ذلك، يبدو جزء من المشاهد مفكّكاً، وتفتقر المعلومات المعروضة إلى التماسك، سواء ظهرت في مشاهد الشجار المباشر أو تبادل الحوارات البسيطة. على صعيد آخر، لا يتردّد صانعو الفيلم في اعتبار المشاهد الأخرى فرصة لمهاجمة أهوال الشيوعية عبر مطاردة همجية وكارهة للمثليين كانت كفيلة بتغيير الخط السردي العام، ولو بطريقة عابرة (يهدف أحد المشاهد بكل وضوح إلى استفزاز بعض روّاد السينما الروسيين مثلاً). وعندما تبرز الحاجة للعودة إلى الخطوط السردية المتعلّقة بالجوع والحرمان، لا يقاوم فريق المونتاج نزعته إلى مساعدة الشخصيات على إيجاد بعضها البعض في توقيت مثالي وغير واقعي، حتى أنه يعود ويكشف هوية القاتل بسهولة فائقة، نظراً إلى بطء الشخصيات في اكتشاف الحقيقة.
في النهاية، يتعلّق أكبر لغز في الفيلم بالمخرج دانيال إيسبينوزا. في مرحلة معينة، لا مفرّ من التساؤل: أين ذهب تركيزه؟ كل من شاهد فيلمَيه السابقَين، Easy Money (مال سهل) و Safe House (بيت آمن)، سيقتنع بأن هذا الفيلم هو ضحيته شخصياً. هو يتابع عرض أداء تمثيلي جيد بكل بساطة ويتطرق إلى بعض المعضلات الأخلاقية المثيرة للفضول. لكنه يفتقر هذه المرة إلى التماسك العام الذي ميّز فيلمَيه السابقين ورفع مستواهما.