حسان الزين

صقر أبو فخر: التاريخ الفلسطيني كُتب كوقائع ولم يسأل لماذا حلّت النكبة

17 دقيقة للقراءة
أبو فخر مع الشاعر محمود درويش

صقر أبو فخر باحث موسوعي بنى قاعدته خلال متابعته الدؤوبة للحركات السياسية والثقافية، ولأشخاص تلك الحركات وسيرهم وأسرارها. بعد كتابه الإشكالي «الماسونية في عماء التاريخ: خرافات وأغاليط وحقائق» (دار الريس للكتب والنشر، 2021)، يراجع في إصدار جديد «تحولات النخبة الفلسطينية» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، الذي يعيد النظر في التاريخ القريب والهوية والمكان والسير الذاتية. وإذ يتطلع إلى قراءة علمية ونقدية للتاريخ، يحاول إثارة أسئلة ونقاش منهجي مع بعض المؤرّخين الفلسطينيين «ممّن امتازوا بغزارة الإنتاج وهزال المعرفة». وقد حاور أبو فخر صادق جلال العظم وأدونيس وكريم مروة ونبيل الشويري وأنيس النقاش وكمال الصليبي وعزمي بشارة ومحمد أبو ميزر. وإضافة إلى مؤلّفاته التي بلغت 15 ساهم في ما يفوق العشرين كتاباً بالاشتراك مع باحثين.



كأنك في كتابك الجديد، «تحوّلات النخبة الفلسطينية»، تقول إن التاريخ الفلسطيني لم يُقرأ ولم يُكتب بمنهجيّات علميّة ونقديّة، لماذا؟ هل تقصد أن القراءة الانتمائية أو العاطفية هي الطاغية؟

المؤكد أن التاريخ الفلسطيني كُتب جيداً كوقائع وحوادث وتفصيل، لكنه قلما كُتب كتعليل، أي لماذا حدث ذلك الأمر، وما كانت الدوافع إليه؟ ولماذا حدث على ذلك النحو وليس على نحو آخر؟ ودائماً كانت المسؤولية عن النكبة تقع على البريطانيين مثلاً، وعلى إعلان بلفور أو على اتفاقية سايكس بيكو أو على الولايات المتحدة الأميركية والعرب، وهو صحيح على العموم. لكن علم التاريخ كان عليه أن يجيب عن السؤال الأكثر أهمية وإلحاحاً وهو: ما هي العوامل الاجتماعية الفلسطينية التي حالت دون أن يتمكن المجتمع الفلسطيني من مواجهة مشروع الحركة الصهيونية؟ أتكون طبيعة ملكية الأرض في فلسطين مثلاً (فلاحون مقيمون وملَّاكون غائبون)، والانقسام التاريخي العميق بين المالك والفلاح، وتعارضات أهل المدن وأهل الأرياف، وتناقضات أعيان مدن الداخل (المدن ذات المحيط الزراعي) ومدن الساحل (المدن ذات التكوين التجاري)؟ وهذه الاسئلة، فرادى ومجتمعة، لم يجب عنها المؤرخون الفلسطينيون إلا بنثرات هنا وهناك. والإجابة عن ذلك تحتاج إلى عُدَّة علمية مختلفة كالتاريخ الاجتماعي والتاريخ الاقتصادي والتاريخ البشري وتاريخ المهمشين، وهو ما لم يكن متوافراً قبل خمسين سنة على سبيل المثال.



أبو فخر مع الباحث هشام شرابي



كيف تصف حال التأريخ الفلسطيني، ولا سيما أنك تشير إلى أن المؤرّخين غزيرو الإنتاج وتكراريون مع هزال في المعرفة؟

التاريخ كعلم تفسيري ما برح عالقاً عند رواية الحوادث والوقائع، أي أنه أقرب إلى الكرونولوجي. ومعظم المؤرخين الفلسطينيين أمثال عارف العارف وعيسى السفري ومحمد عزة دروزة ونقولا زيادة وعبد الوهاب الكيالي أكبّوا في كتاباتهم على الوقائع السياسية بالدرجة الأولى، أي على النكبة في سنة 1948، وما جرى بعد ذلك من الشتات الأليم وفقدان الوطن وتمزق الهوية، أو ما جرى قبل النكبة، خصوصاً منذ انتقال فلسطين قسراً من السيادة العثمانية إلى السيادة البريطانية، وهو حدث كبير جداً في بلاد الشام جاء في سياق انتصار المشروع الاستعماري الأوروبي في المشرق العربي. وبالتأكيد، ثمة كتابات مهمة كتبها مؤرخون فلسطينيون لامعون أمثال وليد الخالدي والياس صنبر وعادل مناع والياس شوفاني وأنيس صايغ وماهر الشريف ورشيد الخالدي وطريف الخالدي، فضلاً عن الكتابات الممتازة والمميزة لسليم تماري وعصام نصّار وقيس فرّو ونور الدين مصالحة ولا سيما في التاريخ الاجتماعي وفي التاريخ الحضري. ويُضاف الى هؤلاء جميعاً خيرية قاسمية وبيان نويهض الحوت ويزيد صايغ وجوني منصور (مؤرخ حيفا) ونظمي الجعبة الذي هو مؤرخ المكان الفلسطيني بلا منازع. ولا ريب في أن جيلاً جديداً من المؤرخين الفلسطينيين قد اكتسب معارف حديثة في علوم التاريخ، وتمكن من تجاوز المؤرخين الإخباريين، وراح يقدم دراسات معمقة وأكثر شمولاً مما عهدناه لدى مؤرخي مرحلة ما بعد النكبة مباشرة. وهناك مؤرخون لامعون اشتُهروا جداً، لكنهم حادوا عن التاريخ الفلسطيني وانصرفوا إلى التاريخ العربي أمثال حنا بطاطو الذي انهمك في دراسة العراق وسورية، وجاءت أبحاثه ذات مستوى رفيع جداً على غرار كتابيه: «الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية الحديثة في العراق» و»فلاحو سوريا: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأناً».

ومن نافل الكلام أن التاريخ، وخصوصاً التاريخ الفلسطيني، ليس سلسلة من الحوادث المتتالية، أو سجلاً للشخصيات التي كان لها شأن في حياة الفلسطينيين، فكاتب التواريخ هو من يكتب الروايات التي يعثر عليها في بطون الكتب والصحف، أو يعثر على الوثائق في المحفوظات. أما المؤرخ فهو الذي يحلل الوقائع، ويربط الأسباب بالنتائج، ويحيط بالواقعة بصورة شاملة بعد أن ينخل الروايات الكاذبة، ويستبعد العلل المشكوك فيها. وهذا الميل في كتابة التاريخ الفلسطيني بصورة شاملة ما برح يحبو. لهذا قلتُ إن هناك غزارة في الإنتاج مع هزال في المعرفة. وعلى سبيل المثال ما برح بعض الذين يتناولون جوانب من التاريخ الفلسطيني يرددون حكايات فاسدة على أنها وقائع صحيحة مثل وثيقة هنري كامبل- بنرمان ومثل وعد نابلوين لليهود بتمكينهم من تأسيس دولة لهم، وكذلك الكتاب المزّور «بروتوكولات حكماء صهيون». وبهذا المعنى لا يمكن كتابة تاريخ لفلسطين استناداً إلى تلك المصادر الزائفة. وقد ركَّزت أخيراَ في كتاباتي على نقد بعض الروايات التاريخية الشائعة مثل قصة عمر الظاهر الزيداني، ونقد الفهم الخرافي لليهود والصهيونية... إلخ.

هل يمكن الإمساك بالتاريخ الفلسطيني، منذ 1948، بعدما تشتت الفلسطينيّون وباتوا يعيشون في مخيمات ومنافٍ؟

نعم، في الإمكان الإحاطة بالتاريخ الفلسطيني المعاصر على رغم الشتات المتباعد. فالتاريخ الفلسطيني الحديث هو في المحصلة، تاريخ الجماعات الفلسطينية في المنافي، أي تاريخهم الإنساني، ونضالهم في سبيل إعادة تكوين هويتهم الموشومة بالنار، وتواريخ مخيماتهم، علاوة على تاريخهم السياسي والنضالي والعسكري، وصراعهم من أجل حريتهم.

قبل الاحتلال البريطاني لفلسطين كان تاريخ هذه البلاد هو نفسه تاريخ المقاطعات التي شكلت جزءاً من بلاد الشام أو من إيالة سوريا. بعد ذلك صار في الإمكان كتابة تاريخ فلسطين قبل النكبة من دون أن ينفصل هذا التاريخ عن تاريخ ما يحيط بفلسطين، أي عن تاريخ سوريا. لكن، بعد النكبة باتت هناك عناصر مستجدة لكتابة تاريخ فلسطين كتاريخ مستقل إلى حد ما، لأن هناك حدثاً خاصاً وقع في سنة 1948 حوَّل فلسطين إلى قضية تحرر وطني ذات فرادة، وحوَّل الشعب الفلسطيني إلى حالة مختلفة.

هناك صعوبات تواجه التأريخ الفلسطيني، ما أبرزها، من تجربتك وتجارب الآخرين؟

نعم، هناك معوّقات جمة مثل غياب المؤسسات القوية والمقتدرة التي تتكبد عناء كتابة تواريخ الشعب الفلسطيني. في الماضي القريب كان هناك مركز الأبحاث الذي أداره بجدارة أستاذي أنيس صايغ. وكانت هناك مؤسسة الدراسات الفلسطينية التي عملت فيها قرابة ربع قرن. وفي هذا الميدان ظهرت الموسوعة الفلسطينية التي قاد مشروعها أنيس صايغ وكنت واحداً من العاملين فيها. واليوم، هناك المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الذي خصّص وحدة كاملة لفلسطين هي «ذاكرة فلسطين» وأنا عضو فيها. وفي ما عدا ذلك ثمة جهد كبير ومدهش يقوم به مؤرخون رفيعو المستوى أمثال عادل مناع وجوني منصور في أراضي 1948، ونظمي الجعبة وعبد الرحيم الشيخ في الضفة الغربية، وكثيرون غيرهم ممن لا يتسع المجال لذكرهم، والذين يعمل معظمهم في المجال الأكاديمي.

في إحدى الفترات كان غياب المصادر المتينة والوثائق يمثل جانباً من المعوقات. لكن جرى تذليل ذلك، بحسب اعتقادي، بمرور الزمن، فصارت الوثائق متوافرة لمن يطلبها ويسعى في سبيل الحصول عليها. أتذكر أن الدكتور أنيس صايغ صرف أشهراً في سبعينيات القرن المنصرم وهو يفتش في إنكلترا عن وثيقة هنري- كامبل بنرمان، فلم يجدها. وتبين لاحقاً أن هذه «الوثيقة» غير موجودة إطلاقاً على رغم شيوعها في المصادر التاريخية، وإنما هي حكاية. مع ذلك، فإن البعض اليوم ممن لم تدركهم حرفة التأريخ، ما زالوا يستعملون هذه الحكاية الرائجة وغير الصحيحة في كتاباتهم. وهنا أود أن أقول إن المؤرخ العلمي لا يكتب التاريخ من غير وثائق، لكن كثيرين من المؤرخين، ومن بينهم فلسطينيون، يكتبون ما يكتبون من دون سند ومن دون تحرٍّ ومن دون تدقيق. ربما هي «خصلة عربية»، فإذا سألتَ كاتباً عربياً: متى مات إبن خلدون، سيجيبك: من زمان. وإذا سألت عن طول نهر النيل، ثمة من يجيب: إنه طويل جداً. وقلائل من المؤرخين الفلسطينيين من أجاد كتابة التاريخ الشامل Total History الذي يدمج في نطاقه العلوم المتعددة كالتاريخ الاقتصادي والأنثروبولوجيا والتاريخ الاجتماعي وتواريخ الكوارث والأوبئة والهجرات وحركات السكان، فضلاً عن الدراسات العمرانية Urban studies اللصيقة بعلم الاجتماع كدراسات المكان والثقافة والسياسة وحتى اللهو والترفيه، والغاية هي تفسير ظاهرة تاريخية أو إعادة تكوين ما حصل في مرحلة تاريخية محددة، أو إعادة اكتشاف وقائع تاريخية جديدة ودوافعها، أو تعديل ما استقر في الدراسات التاريخية السابقة أو نقدها أو نقضها.

هناك مؤرّخون إسرائيليّون من التيار الجديد النقدي تجاه الصهيونية، ما هي المسافة بينهم وبين التأريخ الفلسطيني؟

إستفاد المؤرخون الفلسطينيون الجدد كثيراً من كتابات المؤرخين الإسرائيليين الجدد أمثال بيني موريس في كتابه «ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين» (2004)، وتيدي (تيودور) كاتس عن مجزرة الطنطورة (1998)، فضلاً عن آفي شلايم وكتابه «تواطؤ عبر الأردن»، وتوم سيغف «الإسرائيليون الأوائل» وإيلان بابه.

لقد مهدَّ تيار «ما بعد الصهيونية» Post ziomism الطريق لنقد الصورة الذاتية عن إسرائيل والصهيونية، ومارس تحدياً للرواية الرسمية عن نشوء دولة إسرائيل. حتى أن أمنون روبنشتاين، وهو وزير سابق، اعترف بتأثير تيار ما بعد الصهيونية في اعتبار الصهيونية حركة كولونيالية مسؤولة عن الظلم الذي لحق بالفلسطينيين. وكذلك مهدَّ علماء الاجتماع الجدد في إسرائيل السبل أمام المؤرخين الجدد بكشفهم الطبيعة التعسفية للنظام السياسي الإسرائيلي، واشتهر من بينهم باروخ كيمرلنغ ويوناثان شابيرو وغيرشون شافير على تفاوت مواقفهم من إسرائيل والصهيونية. أما المؤرخون الجدد الإسرائيليون فقد بدأوا الظهور في النطاق الأكاديمي والإعلامي منذ سنة 1978 فصاعداً حين بدأت السرية تُرفع عن وثائق حرب 1948، أي بعد ثلاثين سنة على النكبة. وهؤلاء نقضوا بالوثائق الرواية الرسمية الإسرائيلية التي روّجت أن الفلسطينيين غادروا فلسطين طوعاً، وبرهنوا أن خطة محددة كانت مُعدة لطرد الفلسطينيين (خطة دالت)، وهي ما طبقها دافيد بن غوريون عسكرياً. وكانت الرواية الرسمية الإسرائيلية تُعرِض عن النكبة الفلسطينية، ولا تلتفت إلى ما حلَّ بالفلسطينيين، حتى أيقظ بيني موريس هذه المسألة في صفوف الإسرائيليين. غير أن بيني موريس، في نهاية المطاف، صهيوني ومؤيد لبقاء دولة إسرائيل، وكان يبرر للهاغاناه ما فعلته بـ369 مدينة وقرية عربية. لكنه ادعى أنه أراد المساهمة في زيادة الوعي الإسرائيلي بوجود «الشعب الآخر» وبمعاناته التي نجمت عن «أفعالنا نحن».

لقد استفاد المؤرخون الفلسطينيون كثيراً من نشر الوثائق الإسرائيلية التي دعَّمت روايتهم المناقضة للرواية الإسرائيلية، علماً أن بعض المؤرخين الفلسطينيين كانوا يعرفون بعض تلك الوثائق منذ أواخر خمسينيات القرن المنصرم مثل وليد الخالدي الذي نشر في مطلع الستينيات «خطة دالت» ليؤكد فيها أن الفلسطينيين لم يغادروا ديارهم طوعاً بل قسراً.


هل تعتبر أن البعد الفلسطيني، الثقافي والقيمي، محكوم عربياً بوطأة السياسة (كيف تصف الحضور الفلسطيني في المشهد الثقافي العربي، ولبنان ضمناً)؟

بالتأكيد، السياسة هي التي تقرر المسارات حتى الثقافية منها. لنلاحظ كيف أن ثلاث دول عربية كان للفلسطينيين شأن كبير في نهضتها وتقدمها، أي الكويت والأردن ولبنان، هي التي تصادمت بعنف مع الفلسطينيين جراء مشروعهم السياسي الوطني. والمعروف أن الفلسطينيين بعد النكبة كانوا رواداً وأوائل في التعليم الجامعي والاقتصاد والصحافة والفنون، ولمع من بينهم، خصوصاً في لبنان، أعلام مشهورون جداً أمثال صبري الشريف وحليم الرومي ومحمد غازي ونبيل خوري وسمير قصير وسميرة عزام والياس صنبر وناجي العلي وبول غيراغوسيان وجوليانا سيرافيم وغسان مطر ومحمود سعيد ومروان جرار ووديعة جرار وتوفيق صايغ وجمانة الحسيني ورياض البندك. وفي الاقتصاد يوسف بيدس وبدر الفاهوم ورفعت صدقي النمر وحسيب الصباغ وسعيد خوري وزهير العلمي. ومنحت بيروت محمود درويش ومعين بسيسو وغسان كنفاني فضاءً رحباً للإبداع والانتشار. وهذا غيض قيل من فيض كثير من أسماء المبدعين الفلسطينيين في لبنان، والأمر نفسه نجده في دمشق وعمان.

غير أن الحال اليوم تغيرت وما عادت على بهائها إطلاقاً. رحل محمود درويش وسميح القاسم ومعين بسيسو وجبرا إبراهيم جبرا وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) وفدوى طوقان وهشام شرابي ومصطفى الحلاج وإسماعيل شموط، كأنَّ سماء الثقافة الفلسطينية في حاجة بعد إلى مزيد من الكآبة. ولم يبقَ بعد هؤلاء غير آثار ثقافية تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد. فالمجتمعات الفلسطينية، خصوصاً في لبنان والكويت وأخيراً في سوريا، صارت مجتمعات نازفة، حتى إننا نكاد لا نعثر على شاعر فلسطيني واحد ذي قيمة شعرية في لبنان، ولا على كاتب أو روائي أو فنان تشكيلي.


أنت تقريباً غزير الإنتاج (15 كتاباً إضافة إلى الأعمال المشتركة والعمل الوظيفي)، خصوصاً في الموضوع الفلسطيني، هل تكتب لاسترجاع المكان (فلسطين)، تحت رعب المحو والإندثار والذوبان؟

لا، لست نوستالجياً، بل أحاول التملص من النوستالجيا بقدر ما أستطيع. وأنا مخالف للسياق الذي يريد بناء الهوية على الماضي، هؤلاء هم رجال الدين والمتمشيخون الجدد. والهوية مفهوم متعدد الطبقات، فهناك الهويات الموروثة كالعائلة والدين ومكان الولادة... إلخ، وهناك الهوية التي يصنعها الفرد أو الجماعة. والهوية العاجزة هي ما يرثه الفرد أو الجماعة، وهي تشّد الناس إلى الماضي. ولا أنكر أن الهوية الفلسطينية اليوم تلوذ بالماضي جراء غياب مشروع مستقبلي للتحرر الوطني. أما الهوية المتحفزة فهي التي تصنعها الشعوب في سياق التطلع إلى المستقبل. وهوية الفلسطينيين هي هوية المنفى أو الشتات التي تشكلت بعد نكبة 1948، وهي تعني اشتراك جميع اللاجئين في تجربة فقدان الأرض ودورة الحياة الواحدة والوطن.


لديك عدد من الكتب الحوارية مع شخصيّات بارزة عربياً في الثقافة والسياسة، كيف تقيّم هذا النوع من الإنتاج؟

أظن أنها تجربة مثيرة ولها رونقها الخاص. فالحوار الطويل مع شخصية فكرية أو سياسية لا يُعدُّ نوعاً من أنواع التراجم، بل هي نقاش متعدد المجالات. ومن خلال هذا النقاش يتم عرض سيرة الشخص في تحولاتها المختلفة. والحوارات المطولة تتيح للمحاور أن يجادل وينتقد ويعرض آراءه أيضاً. وأهمية ذلك أن الحوار يجمع السيرة إلى النقاش الفكري والسياسي، وهو في الوقت ذاته اشتراك في تأليف الكتاب من خلال الهوامش الإيضاحية أو الاعتراضية. وقد أمكنتني أيامي من إجراء حوارات مطولة (صدر كل واحد منها في كتاب مستقل) مع صادق جلال العظم وأدونيس وكريم مروة ونبيل الشويري وأنيس النقاش وكمال الصليبي وعزمي بشارة ومحمد أبو ميزر، وعاندتني الظروف في تنفيذ ثلاثة حوارات كان متّفقاً عليها مع محمود درويش وهاني الهندي وجورج حبش.



حقيقة الماسونيّة ودحض الشائع من الأفكار الخرافيّة والأوهام

يخالف صقر أبو فخر في كتابه «الماسونية في عماء التاريخ» المعتقد الشائع بشأن هذه الحركة. ويؤكد أن ما دفعه إلى ذلك هو دراسته التاريخ الاقتصادي الأوروبي. فلكونه متخصصاً في الاقتصاد، انصَّب اهتمامه في مرحلة ما على الطوائف الحرفية في أوروبا التي «كانت أهم عناصر التحول من العصر الإقطاعي إلى الرأسمالية، وهي التي حوَّلت الفلاحين إلى بروليتاريا». ويروي: «كنت كلما تجولتُ في التاريخ الأوروبي الوسيط أصطدم بجمعية البنائين الأحرار (فري ماسون) لأكتشف بالتدريج أن الماسونية ليست كما يُقال عنها، وهي ليست صهيونية أو يهودية أو منظمة تآمرية للتحكم بالعالم وبالجنس البشري. ولا ريب في أنه كان للماسونيين موقع مشهود في الثورتين الفرنسية والأميركية، وكذلك في الثورة البلشفية. ولهذا رحت أبحث عن الماسونية في نشأتها الأولى، وفي مآلاتها ومصائرها التي استقرت عليها. وكان الدافع المباشر للبحث هو الحشرية العلمية. وفي غمرة بحثي اكتشفت أن المفكرين الأوروبيين من التيار الربوبي والتيار التأليهي، وهم آباء الماسونية فكرياً، قدموا مطارحات هائلة وشجاعة في نقد الفكر الديني اليهودي والمسيحي، وكان أبرزهم جوردانو برونو الذي أُحرق في روما عقاباً له على أفكاره المتصادمة مع الكاثوليكية. وكان نقد الفكر الديني آنذاك ما زال يحبو عندنا في العالم العربي، وقرأنا شذرات منه عند طه حسين وصادق جلال العظم وعصام الدين حفني ناصف والعفيف الأخضر، علاوة على كلاسيكيات إبن الراوندي ومحمد بن زكريا الرازي والمعتزلة».

وهل من غاية لهذا الكتاب الذي تظهر فيه الماسونية حركة تنويرية؟



يجيب أبو فخر: «لا غاية لكتابي البسيط غير كشف اللثام، علمياً، عن نشأة الجمعية الماسونية، وعن أسلافها من المفكرين، وعن التيارات الفلسفية التي سبقتها أو واكبتها ومثَّلت المدماك الأول في عمارتها الفكرية. وحاولتُ، بقدر إمكاناتي، أن أنهي كتابي ذلك من دون أي انحياز، وأن أنتقد التاريخ الماسوني بما امتلكت من منهج نقدي، ومن أدوات للتحليل العلمي والكتابة المحايدة. ولم أدافع البتة عن الماسونية باعتبارها حركة تنويرية وعلمانية ومعادية للنظم الشمولية، فهذا ليس من شأني، بل كنت أُدافع عن المعرفة العلمية، وسلكت في ذلك مسلك الاجتهاد في إظهار الحقائق. والغاية هي هي دائماً: الوصول إلى الحقائق ودحض الشائع والمتراكم من الأفكار والآراء الخرافية والأوهام.

ورداً على السؤال عن الدور الذي لعبته الماسونية عربياً، يقول أبو فخر: «لم يكن للماسونية أي شأن مهم على المستوى السياسي في العالم العربي منذ أن أُسست محافلها الأولى في مصر في القرن التاسع عشر. أما على المستوى الثقافي والتنويري فقد كان لها شأن مهم جداً، وتمثل ذلك في المجلات التي أصدرها الماسونيون مثل «المقتطف» و»الهلال» و»الأحرار» و»المقطم» و»اللطائف» في القاهرة، و»الأحرار» (جبران تويني) والإنسانية (يوسف إبراهيم يزبك) في بيروت. والمعروف أن أعلام النهضة العربية كانوا في معظمهم من الماسون أمثال بطرس البستاني وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وأحمد فارس الشدياق وعبد الرحمن الكواكبي وإبراهيم اليازجي ويعقوب صروف وفارس نمر وجرجي زيدان وخليل مطران وإبراهيم ناجي وأحمد زكي أبو شادي وأحمد شوقي وعبد الرحمن الخميسي وعدلي يكن، وكذلك يوسف وهبي ومحمود المليجي وفريد شوقي وكمال الشناوي وأنور وجدي وعبد السلام النابلسي وحسين رياض ومحسن سرحان والممثل المصري «شرفنطح» (اسمه الأصلي كمال المصري)».

يضيف: «كان معظم قادة الاستقلال الوطني من الماسون أيضاً، أمثال سعد زغلول وعبد القادر الجزائري وعبد الرحمن الشهبندر وفارس الخوري والشيخ طاهر الجزائري والشيخ مصطفى السباعي (زعيم الإخوان المسلمين في سوريا) والمطران أثناسيوس كليلة وجميل مردم ولطفي الحفار، فضلاً عن جبران تويني والأخطل الصغير وخليل سعادة ومارون عبود وسامي الصلح ورشيد الصلح وجعفر شرف الدين (في لبنان). وفي جميع الأحوال ظلت الماسونية حالة خارجية أو أجنبية خصوصاً في مصر وفلسطين، أي إنها ظلت مجرد محافل للأجانب مع أنها ضمَّت إليها عدداً من المصريين والشوام المسيحيين، فكانت أقرب إلى نوادي النخبة. وفي فلسطين التي شهدت تأسيس أول محفل فيها في سنة 1873، لم يظهر من بين الماسونيين الفلسطينيين أديب لامع أو شاعر مبدع أو مفكر ألمعي. والماسونية لم تصل إلى حكم أي بلد عربي. وحين مُنعت في سوريا ومصر والعراق لم يترتب على ذلك أي أثر على رغم الهراء الشائع عن امتلاكها قوى خفية وقدرات سياسية وتآمرية عجيبة».